في الخوف ، والرجاء ، والتعظيم ، والزهد ، والرضا ، والتوكل ، والحب ، وسائر هذه الأمور فإن هذه الأمور لها مباد ينطلق الاسم بظهورها ، ثم لها غايات وحقائق ، والصادق المحقق من نال حقيقتها . وإذا غلب الشيء وتمت حقيقته ، سمى صاحبه صادقا فيه كما يقال . فلان صدق القتال ، ويقال هذا هو الخوف الصادق . وهذه هي الشهوة الصادقة وقال الله تعالى * ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالله ورَسُولِه ِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا « 1 » ) * إلى قوله * ( أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ « 2 » ) * وقال تعالى * ( ولكِنَّ الْبِرَّ من آمَنَ بِالله والْيَوْمِ الآخِرِ « 3 » ) * إلى قوله * ( أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا « 4 » ) * [ 1 ] وسئل أبو ذر عن الإيمان ، فقرأ هذه الآية . فقيل له سألناك عن الإيمان . فقال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقرأ هذه الآية ولنضرب للخوف مثلا . فما من عبد يؤمن بالله واليوم الآخر إلا وهو خائف من الله خوفا ينطلق عليه الاسم ، ولكنه خوف غير صادق ، أي غير بالغ درجة الحقيقة . أما تراه إذا خاف سلطانا ، أو قاطع طريق في سفره ، كيف يصفر لونه ، وترتعد فرائصه . ويتنغص عليه عيشه ، ويتعذر عليه أكله ونومه ، وينقسم عليه فكره حتى لا ينتفع به أهله وولده ؟
وقد ينزعج عن الوطن فيستبدل بالأنس الوحشة ، وبالراحة التعب والمشقة ، والتعرض للأخطار ، كل ذلك خوفا من درك المحذور . ثم إنه يخاف النار ، ولا يظهر عليه شيء من ذلك عند جريان معصية عليه . ولذلك قال صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « لم أر مثل النار نام هاربها ولا مثل الجنة نام طالبها »
فالتحقيق في هذه الأمور عزيز جدا ، ولا غاية لهذه المقامات حتى ينال تمامها ، ولكن لكل عبد منه حظ بحسب حاله ، إما ضعيف وإما قوي . فإذا قوي سمي صادقا فيه فمعرفة الله وتعظيمه والخوف منه لا نهاية لها ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم [ 3 ] لجبريل عليه السلام « أحب أن أراك في صورتك التي هي صورتك » فقال لا تطيق ذلك
شرح
[ 1 ] حديث أبي ذر سألته عن الايمان فقرأ قوله تعالى ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر إلى قوله أولئك الذين صدقوا رواه محمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة بأسانيد منقطعة لم أجد له اسنادا
[ 2 ] حديث لم أر مثل النار نام هاربها والحديث : تقدم
[ 3 ] حديث قال لجبريل أحب أن أراك في صورتك التي هي صورتك فقال لا تطيق ذلك - الحديث : تقدم في كتاب الرجاء والخوف أخصر من هذا والذي ثبت في الصحيح أنه رأى جبريل في صورته مرتين
هامش
« 1 » الحجرات : 15
« 2 » الحجرات : 15
« 3 » البقرة : 177
« 4 » البقرة : 177