تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
هو هاهنا . واحترز بذلك عن الكذب ، ودفع الظالم عن نفسه ، فكان قوله صدقا ، وأفهم الظالم أنه ليس في الدار فالكمال الأول في اللفظ : أن يحترز عن صريح اللفظ وعن المعاريض أيضا إلا عند الضرورة والكمال الثاني : أن يراعي معنى الصدق في ألفاظه التي يناجي بها ربه ، كقوله : وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ، فإن قلبه إن كان منصرفا عن الله تعالى ، مشغولا بأمانى الدنيا وشهواته . فهو كذب . وكقوله : إياك نعبد . وقوله : أنا عبد الله . فإنه إذا لم يتصف بحقيقة العبودية ، وكان له مطلب سوى الله ، لم يكن كلامه صدقا . ولو طولب يوم القيامة بالصدق في قوله : أنا عبد الله ، لعجز عن تحقيقه ، فإنه إن كان عبدا لنفسه ، أو عبدا لدنيا أو عبدا لشهواته ، لم يكن صادقا في قوله . وكل ما تقيد العبد به فهو عبد له . كما قال عيسى عليه السلام : يا عبيد الدنيا . وقال نبينا صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم وعبد الحلة وعبد الخميصة » سمى كل من تقيد قلبه بشيء عبدا له . وإنما العبد الحق الله عز وجل من أعتق أولا من غير الله تعالى ، فصار حرا مطلقا . فإذا تقدمت هذه الحرية صار القلب فارغا ، فحلت فيه العبودية لله ، فتشغله بالله وبمحبته ، وتقيد باطنه وظاهره بطاعته ، فلا يكون له مراد إلا الله تعالى ثم تجاوز هذا إلى مقام آخر أسنى منه يسمى الحرية ، وهو أن يعتق أيضا عن إرادته لله من حيث هو ، بل يقنع بما يريد الله له من تقريب أو إبعاد ، فتفنى إرادته في إرادة الله تعالى . وهذا عبد عتق عن غير الله فصار حرا . ثم عاد وعتق عن نفسه فصار حرا ، وصار مفقودا لنفسه ، موجودا لسيده ومولاه ، إن حركه تحرك ، وإن سكنه سكن ، وإن ابتلاه رضي لم يبق فيه متسع لطلب ، والتماس ، واعتراض ، بل هو بين يدي الله كالميت بين يدي الغاسل وهذا منتهى الصدق في العبودية الله تعالى ، فالعبد الحق هو الذي وجوده لمولاه لا لنفسه وهذه درجة الصديقين وأما الحرية عن غير الله فدرجات الصادقين ، وبعدها تتحقق العبودية لله تعالى . وما قبل هذا فلا يستحق صاحبه أن يسمى صادقا ولا صديقا . فهذا هو معنى الصدق في القول
شرح
[ 1 ] حديث تعس عبد الدينار - الحديث : البخاري من حديث أبي هريرة وقد تقدم
إحياء علوم الدين — صفحة 199 | الغزالي