الصدق الأول : صدق اللسان .
وذلك لا يكون إلا في الأخبار . أو فيما يتضمن الأخبار وينبه عليه ، والخبر إما أن يتعلق بالماضي أو بالمستقبل ، وفيه يدخل الوفاء بالوعد والخلف فيه . وحق على كل عبد أن يحفظ ألفاظه ، فلا يتكلم إلا بالصدق ، وهذا هو أشهر أنواع الصدق وأظهرها . فمن حفظ لسانه عن الإخبار عن الأشياء على خلاف ما هي عليه فهو صادق ولكن لهذا الصدق كما لان . أحدهما : الاحتراز عن المعاريض ، فقد قيل : في المعاريض مندوحة عن الكذب . وذلك لأنها تقوم مقام الكذب ، إذ المحذور من الكذب تفهيم الشيء على خلاف ما هو عليه في نفسه . إلا أن ذلك مما تمس إليه الحاجة ، وتقتضيه المصلحة في بعض الأحوال ، وفي تأديب الصبيان والنسوان ومن يجرى مجراهم ، وفي الحذر عن الظلمة ، وفي قتال الأعداء والاحتراز عن اطلاعهم على أسرار الملك فمن اضطر إلى شيء من ذلك فصدقه فيه أن يكون نطقه فيه لله فيما يأمره الحق به ويقتضيه الدين ، فإذا نطق به فهو صادق وإن كان كلامه مفهما غير ما هو عليه ، لأن الصدق ما أريد لذاته ، بل للدلالة على الحق والدعاء إليه ، فلا ينظر إلى صورته بل إلى معناه نعم في مثل هذا الموضع ينبغي أن يعدل إلى المعاريض ما وجد إليه سبيلا [ 1 ] كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توجه إلى سفر ورى بغيره ، وذلك كي لا ينتهى الخبر إلى الأعداء فيقصد . وليس هذا من الكذب في شيء . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا أو أنمى خيرا » ورخص في النطق على وفق المصلحة في ثلاثة مواضع : من أصلح بين اثنين ، ومن كان له زوجتان ، ومن كان في مصالح الحرب . والصدق هاهنا يتحول إلى النية ، فلا يراعى فيه إلا صدق النية وإرادة الخير فمهما صح قصده ، وصدقت نيته . وتجردت للخير إرادته ، صار صادقا وصديقا كيفما كان لفظه ثم التعريض فيه أولى . وطريقه ما حكي عن بعضهم أنه كان يطلبه بعض الظلمة وهو في داره ، فقال لزوجته . خطي بإصبعك دائرة ، وضعي الإصبع على الدائرة ، وقولي ليس
شرح
[ 1 ] حديث كان إذا أراد سفرا ورى بغيره : متفق عليه من حديث كعب بن مالك
[ 2 ] حديث ليس بكاذب من أصلح بين الناس - الحديث : متفق عليه من حديث أم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط وقد تقدم