قد نلته . لو جعلني جسرا على جهنم يعبر الخلائق علي إلى الجنة ، ثم ملأ بي جهنم تحلة لقسمه ، وبدلا من خليقته ، لأحببت ذلك من حكمه ، ورضيت به من قسمه وهذا كلام من علم أن الحب قد استغرق همه ، حتى منعه الإحساس بألم النار ، فإن بقي احساس فيغمره ما يحصل من لذته في استشعاره حصول رضا محبوبه بإلقائه إياه في النار ، واستيلاء هذه الحالة غير محال في نفسه ، وإن كان بعيدا من أحوالنا الضعيفة ، ولكن لا ينبغي أن يستنكر الضعيف المحروم أحوال الأقوياء ، وبظن أن ما هو عاجز عنه يعجز عنه الأولياء . وقال الرودبارى : قلت لأبي عبد الله ابن الجلاء الدمشقي قول فلان وددت أن جسدي قرض بالمقاريض ، وأن هذا الخلق أطاعوه ، ما معناه ؟ فقال يا هذا ، إن كان هذا من طريق التعظيم والإجلال فلا أعرف ، وإن كان هذا من طريق الإشفاق والنصح للخلق فأعرف . قال ثم غشي عليه .
وقد كان عمران بن الحصين قد استسقى بطنه ، فبقي ملقى على ظهره ثلاثين سنة لا يقوم ولا يقعد ، قد نقب له في سرير من جريد كان عليه موضع لقضاء حاجته ، فدخل عليه مطرف وأخوه العلاء ، فجعل يبكى لما يراه من حاله . فقال لم تبكي ؟ قال لأني أراك على هذه الحالة العظيمة . قال لا تبك ، فإن أحبه إلى الله تعالى أحبه إلي . ثم قال : أحدثك شيئا لعل الله أن ينفعك به ، واكتم علي حتى أموت . إن الملائكة تزورنى فآنس بها ، وتسلم علي فأسمع تسليمها ، فأعلم بذلك أن هذا البلاء ليس بعقوبة ، إذ هو سبب هذه النعمة الجسمية . فمن بشاهد هذا في بلائه كيف لا يكون راضيا به قال : ودخلنا على سويد بن متعبة نعوده ، فرأينا ثوبا ملقى ، فما ظننا أن تحته شيئا حتى كشف ، فقالت له امرأته : أهلي فداؤك ، ما نطعمك ما نسقيك ، فقال طالت الضجعة ، ودبرت الحراقيف ، وأصبحت نضوا لا أطعم طعاما ، ولا أسيغ شرابا منذ كذا ، فذكر أياما وما يسرني أنى نقصت من هذا قلامة ظفر ولما قدم سعد بن أبي وقاص إلى مكة ، وقد كان كف بصره ، جاءه الناس يهرعون إليه كل واحد يسأله أن يدعو له ، فيدعو لهذا ولهذا ، وكان مجاب الدعوة . قال عبد الله بن السائب فأتيته وأنا غلام . فتعرفت إليه فعرفني وقال : أنت قارئ أهل مكة ؟ قلت نعم . فذكر قصة قال في آخرها . فقلت له يا عم . أنت تدعو للناس ، فلو دعوت لنفسك فرد الله عليك
إحياء علوم الدين — صفحة 133
مساهمون: الغزالي
ص١٣٣