تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
السّائل ولو بظلف محرق « ولو كان السؤال حراما مطلقا لما جاز إعانة المتعدي على عدوانه والإعطاء إعانة . فالكاشف للغطاء فيه أن السؤال حرام في الأصل ، وإنما يباح بضرورة أو حاجة مهمة قريبة من الضرورة . فإن كان عنها بد فهو حرام . وإنما قلنا إن الأصل فيه التحريم لأنه لا ينفك عن ثلاثة أمور محرمة : الأول : إظهار الشكوى من الله تعالى ، إذ السؤال إظهار للفقر ، وذكر لقصور نعمة الله تعالى عنه ، وهو عين الشكوى . وكما أن العبد المملوك لو سأل لكان سؤاله تشنيعا على سيده ، فكذلك سؤال العباد تشنيع على الله تعالى ، وهذا ينبغي أن يحرم ولا يحل إلا لضرورة كما تحل الميتة الثاني : أن فيه إذلال السائل نفسه لغير الله تعالى . وليس للمؤمن أن يذل نفسه لغير الله ، بل عليه أن يذل نفسه لمولاه ، فإن فيه عزه . فأما سائر الخلق فإنهم عباد أمثاله ، فلا ينبغي أن يذل لهم إلا لضرورة . وفي السؤال ذل للسائل بالإضافة إلى المسؤول الثالث : أنه لا ينفك عن إيذاء المسؤول غالبا ، لأنه ربما لا تسمح نفسه بالبذل عن طيب قلب منه ، فإن بذل حياء من السائل أو رياء فهو حرام على الآخذ ، وإن منع ربما استحيا وتأذى في نفسه بالمنع ، إذ يرى نفسه في صورة البخلاء . ففي البذل نقصان ماله ، وفي المنع نقصان جاهه ، وكلاهما مؤذيان ، والسائل هو السبب في الإيذاء ، والإيذاء حرام إلا بضرورة ومهما فهمت هذه المحذورات الثلاث فقد فهمت قوله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « مسألة النّاس من الفواحش ما أحلّ من الفواحش غيرها » فانظر كيف سماها فاحشة ، ولا يخفى أن الفاحشة إنما تباح لضرورة ، كما يباح شرب الخمر لمن غص بلقمة وهو لا يجد غيره وقال صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « من سأل عن غنى فإنّما يستكثر من جمر جهنّم »
شرح
[ 1 ] حديث مسألة الناس من الفواحش وما أحل الله من الفواحش غيرها : لم أجد له أصلا [ 2 ] حديث من سأل عن غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم - الحديث : أبو داود وابن حبان من حديث سهل ابن الحنظلية مقتصرا على ما ذكر منه وتقدم في الزكاة ولمسلم من حديث أبي هريرة من يسأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا - الحديث : وللبزار والطبراني من حديث مسعود بن عمرو لا يزال العبد يسأل وهو غني حتى يخلق وجهه وفي اسناده لين وللشيخين من حديث ابن عمر ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم واسناده جيد م 13 : ثالث عشر إحياء
إحياء علوم الدين — صفحة 97 | الغزالي