تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
بيساره ، فقد تعدى من وجهين . أحدهما : الشرب ، والآخر : الأخذ باليسار . ومن باع خمرا في وقت النداء يوم الجمعة ، فقبيح أن يقال خان من وجهين . أحدهما : بيع الخمر ، والآخر : البيع في وقت النداء . ومن قضى حاجته في محراب المسجد مستدبر القبلة ، فقبيح أن يذكر تركه الأدب في قضاء الحاجة ، من حيث إنه لم يجعل القبلة عن يمينه . فالمعاصي كلها ظلمات وبعضها فوق بعض ، فينمحق بعضها في جانب البعض فالسيد قد يعاقب عبده إذا استعمل سكينه بغير إذنه . ولكن لو قتل بتلك السكين أعز أولاده ، لم يبق لاستعمال السكين بغير إذنه حكم ونكاية في نفسه . فكل ما راعاه الأنبياء والأولياء من الآداب ، وتسامحنا فيه في الفقه مع العوام ، فسببه هذه الضرورة . وإلا فكل هذه المكاره عدول عن العدل ، وكفران للنعمة ، ونقصان عن الدرجة المبلغة للعبد إلى درجات القرب . نعم بعضها يؤثر في العبد بنقصان القرب وانحطاط المنزلة . وبعضها يخرج بالكلية عن حدود القرب إلى عالم البعد الذي هو مستقر الشياطين . وكذلك من كسر غصنا من شجرة من غير حاجة ناجزة مهمة ، ومن غير غرض صحيح ، فقد كفر نعمة الله تعالى في خلق الأشجار وخلق اليد . أما اليد ، فإنها لم تخلق للعبث ، بل للطاعة والأعمال المعينة على الطاعة وأما الشجر فإنما خلقه الله تعالى ، وخلق له العروق ، وساق إليه الماء ، وخلق فيه قوة الاغتذاء والنماء ، ليبلغ منتهى نشوه فينتفع به عباده ، فكسره قبل منتهى نشوه لا على وجه ينتفع به عباده ، مخالفة لمقصود الحكمة ، وعدول عن العدل فإن كان له غرض صحيح فله ذلك ، إذ الشجر والحيوان جعلا فداء لأغراض الإنسان فإنهما جميعا فانيان هالكان . فإفناء الأخس في بقاء الأشرف مدة ما أقرب إلى العدل من تضييعهما جميعا . وإليه الإشارة بقوله تعالى * ( وسَخَّرَ لَكُمْ ما في السَّماواتِ وما في الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْه ُ ) * « 1 » . نعم إذا كسر ذلك من ملك غيره فهو ظالم أيضا وإن كان محتاجا ، لأن كل شجرة بعينها لا تفي بحاجات عباد الله كلهم ، بل تفي بحاجة واحدة ولو خصص واحد بها من غير رجحان واختصاص كان ظلما فصاحب الاختصاص هو الذي حصّل البذر ووضعه في الأرض وساق إليه الماء ، وقام بالتعهد ، فهو أولى به من غيره ، فيرجح جانبه بذلك . فإن نبت ذلك
هامش
« 1 » الجاثية : 13