تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
والرجاء جميعا ، لأنهما جامعان لأسباب الشفاء في حق أصناف المرضى ، ليستعمله العلماء الذين هم ورثة الأنبياء بحسب الحاجة ، استعمال الطبيب الحاذق ، لا استعمال الأخرق الذي يظن أن كل شيء من الأدوية صالح لكل مريض كيفما كان وحال الرجاء يغلب بشيئين : أحدهما الاعتبار ، والآخر استقراء الآيات والأخبار والآثار أما الاعتبار ، فهو أن يتأمل جميع ما ذكرناه في أصناف النعم من كتاب الشكر ، حتى إذا علم لطائف نعم الله تعالى لعباده في الدنيا . وعجائب حكمه التي راعاها في فطرة الإنسان حتى أعد له في الدنيا كل ما هو ضروري له في دوام الوجود . كآلات الغذاء وما هو محتاج إليه كالأصابع والأظافر ، وما هو زينة له . كاستقواس الحاجبين ، واختلاف ألوان العينين ، وحمرة الشفتين ، وغير ذلك مما كان لا ينثلم بفقده غرض مقصود ، وإنما كان يفوت به مزية جمال فالعناية الإلهية إذا لم تقصر عن عباده في أمثال هذه الدقائق ، حتى لم يرض لعباده أن تفوتهم المزايد والمزايا في الزينة والحاجة ، كيف يرضى بسياقهم إلى الهلاك المؤبد بل إذا نظر الإنسان نظرا شافيا ، علم أن أكثر الخلق قد هيء له أسباب السعادة في الدنيا ، حتى أنه يكره الانتقال من الدنيا بالموت ، وإن أخبر بأنه لا يعذب بعد الموت أبدا مثلا ، أو لا يحشر أصلا . فليست كراهتهم للعدم إلا لأن أسباب النعم أغلب لا محالة . وإنما الذي يتمنى الموت نادر . ثم لا يتمناه إلا في حال نادرة ، وواقعة هاجمة غريبة . فإذا كان حال أكثر الخلق في الدنيا الغالب عليه الخير والسلامة ، فسنة الله لا تجد لها تبديلا ، فالغالب أن أمر الآخرة هكذا يكون ، لأن مدبر الدنيا والآخرة واحد ، وهو غفور رحيم ، لطيف بعباده ، متعطف عليهم . فهذا إذا تؤمّل حق التأمل قوي به أسباب الرجاء . ومن الاعتبار أيضا النظر في حكمة الشريعة وسنها في مصالح الدنيا ، ووجه الرحمة للعباد بها ، حتى كان بعض العارفين يرى آية المداينة في البقرة من أقوى أسباب الرجاء ، فقيل له وما فيها من الرجاء ؟ فقال : الدنيا كلها قليل ، ورزق الإنسان منها قليل ، والدين قليل عن رزقه ، فانظر كيف أنزل الله تعالى فيه أطول آية ، ليهدى عبده إلى طريق الاحتياط في حفظ دينه ، فكيف لا يحفظ دينه الذي لا عوض له منه ! الفن الثاني : استقراء الآيات والأخبار ، فما ورد في الرجاء خارج عن الحصر