تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
المريض ، فكذلك صفات القلب تنقسم هذه الأقسام ، فالذي هو غير ثابت يسمى حالا ، لأنه يحول على القرب . وهذا جار في كل وصف من أوصاف القلب . وغرضنا الآن حقيقة الرجاء ، فالرجاء أيضا يتم من حال ، وعلم ، وعمل ، فالعلم سبب يثمر الحال ، والحال يقتضي العمل . وكان الرجاء اسما من جملة الثلاثة . وبيانه أن كل ما يلاقيك من مكروه ومحبوب فينقسم إلى موجود في الحال ، وإلى موجود فيما مضى ، وإلى منتظر في الاستقبال . فإذا خطر ببالك موجود فيما مضى سمي ذكرا وتذكرا . وإن كان ما خطر بقلبك موجودا في الحال سمي وجدا ، وذوقا ، وإدراكا ، وإنما سمي وجدا لأنها حالة تجدها من نفسك . وإن كان قد خطر ببالك وجود شيء في الاستقبال ، وغلب ذلك على قلبك ، سمي انتظارا وتوقعا . فإن كان المنتظر مكروها ، حصل منه ألم في القلب سمي خوفا وإشفاقا . وإن كان محبوبا ، حصل من انتظاره وتعلق القلب به وإخطار وجوده بالبال لذة في القلب وارتياح ، سمي ذلك الارتياح رجاء . فالرجاء هو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب عنده . ولكن ذلك المحبوب المتوقع لا بد وأن يكون له سبب . فإن كان انتظاره لأجل حصول أكثر أسبابه فاسم الرجاء عليه صادق . وإن كان ذلك انتظارا مع انخرام أسبابه واضطرابها فاسم الغرور والحمق عليه أصدق من اسم الرجاء . وإن لم تكن الأسباب معلومة الوجود ولا معلومة الانتفاء ، فاسم التمني أصدق على انتظاره ، لأنه انتظار من غير سبب . وعلى كل حال فلا يطلق اسم الرجاء والخوف إلا على ما يتردد فيه ، أمّا ما يقطع به فلا . إذ لا يقال أرجو طلوع الشمس وقت الطلوع ، وأخاف غروبها وقت الغروب . لأن ذلك مقطوع به . نعم : يقال أرجو نزول المطر وأخاف انقطاعه . وقد علم أرباب القلوب أن الدنيا مزرعة الآخرة ، والقلب كالأرض ، والإيمان كالبذر فيه ، والطاعات جارية مجرى تقليب الأرض وتطهيرها ، ومجرى حفر الأنهار وسياقة الماء إليها ، والقلب المستهتر بالدنيا المستغرق بها ، كالأرض السبخة التي لا ينمو فيها البذر ، ويوم القيامة يوم الحصاد ، ولا يحصد أحد إلا ما زرع ولا ينمو زرع إلا من بذر الإيمان ، وقلما ينفع إيمان مع خبث القلب وسوء أخلاقه . كما لا ينمو بذر في أرض سبخة . فينبغي أن يقاس رجاء العبد المغفرة برجاء صاحب الزرع . فكل من طلب أرضا طيبة ، وألقى فيها بذرا جيدا غير عفن ولا مسوس ، ثم أمده