من مقدماته ، كسماع الملاهي والأوتار . نعم : من يشتهي الخمر وسماع الأوتار ، فيمسك نفسه بالمجاهدة عن الخمر ، ويطلقها في السماع ، فمجاهدته النفس بالكف ربما تمحو عن قلبه الظلمة التي ارتفعت إليه من معصية السماع فكل هذه أحكام أخروية ، ويجوز أن يبقى بعضها في محل الشك ، وتكون من المتشابهات ، فلا يعرف تفصيلها إلا بالنص ، ولم يرد النص بعد ، ولا حد جامع ، بل ورد بألفاظ مختلفات . فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « الصّلاة إلى الصّلاة كفّارة ورمضان إلى رمضان كفّارة إلَّا من ثلاث إشراك باللَّه وترك السّنّة ونكث الصّفقة » قيل ما ترك السنة ؟ قيل الخروج عن الجماعة ، ونكث الصفقة أن يبايع رجلا ثم يخرج عليه بالسيف يقاتله . فهذا وأمثاله من الألفاظ لا يحيط بالعدد كله ولا يدل على حد جامع ، فيبقى لا محالة مبهما فإن قلت الشهادة لا تقبل إلا ممن يجتنب الكبائر ، والورع عن الصغائر ليس شرطا في قبول الشهادة ، وهذا من أحكام الدنيا ، فاعلم أنا لا نخصص رد الشهادة بالكبائر . فلا خلاف في أن من يسمع الملاهي ، ويلبس الديباج ، ويتختم بخاتم الذهب ، ويشرب في أواني الذهب والفضة ، لا تقبل شهادته ، ولم يذهب أحد إلى أن هذه الأمور من الكبائر . وقال الشافعي رضي الله عنه : إذا شرب الحنفي النبيذ حددته ، ولم أردّ شهادته . فقد جعله كبيرة بإيجاب الحد ، ولم يرد به الشهادة ، فدل على أن الشهادة نفيا وإثباتا لا تدور على الصغائر والكبائر . بل كل الذنوب تقدح في العدالة ، إلا ما لا يخلو الإنسان عنه غالبا بضرورة مجاري العادات ، كالغيبة ، والتجسس ، وسوء الظن ، والكذب في بعض الأقوال ، وسماع الغيبة ، وترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وأكل الشبهات ، وسب الولد والغلام ، وضربهما بحكم الغضب زائدا على المصلحة ، وإكرام السلاطين الظلمة ، ومصادقة الفجار ، والتكاسل عن تعليم الأهل والولد جميع ما يحتاجون إليه من أمر الدين . فهذه ذنوب لا يتصور أن ينفك الشاهد عن قليلها أو كثيرها إلا بأن يعتزل الناس ، ويتجرد لأمور الآخرة ، ويجاهد نفسه مدة بحيث يبقى على سمته مع المخالطة بعد ذلك . ولو لم يقبل إلا قول مثله لعز وجوده ، وبطلت الأحكام .
شرح
[ 1 ] حديث الصلاة إلى الصلاة كفارة ورمضان إلى رمضان كفارة إلا من ثلاث إشراك باللَّه وترك السنة ونكث الصفة - الحديث : الحاكم من حديث أبي هريرة نحوه وقال صحيح الاسناد