تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
السماوات والأرض ، وترتيب الدنيا والآخرة ، وما يتعلق به ، هو الكمال الحقيقي ، الذي يقرب من يتصف به من الله تعالى ، ويبقى كمالا للنفس بعد الموت ، وتكون هذه المعرفة نورا للعارفين بعد الموت ، يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ، يقولون ربنا أتم لنا نورنا . أي تكون هذه المعرفة رأس مال ، يوصل إلى كشف ما لم ينكشف في الدنيا ، كما أن من معه سراج خفى ، فإنه يجوز أن يصير ذلك سببا لزيادة النور بسراج آخر يقتبس منه ، فيكمل النور بذلك النور الخفي على سبيل الاستتمام . ومن ليس معه أصل السراج ، فلا مطمع له في ذلك . فمن ليس معه أصل معرفة الله تعالى ، لم يكن له مطمع في هذا النور ، فيبقى كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ، بل كظلمات في بحر لجي ، يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ، ظلمات بعضها فوق بعض . فإذا لا سعادة إلا في معرفة الله تعالى . وأما ما عدا ذلك من المعارف فمنها ما لا فائدة له أصلا ، كمعرفة الشعر ، وأنساب العرب وغيرهما ، ومنها ما له منفعة في الإعانة على معرفة الله تعالى ، كمعرفة لغة العرب ، والتفسير والفقه ، والأخبار ، فإن معرفة لغة العرب تعين على معرفة تفسير القرءان ، ومعرفة التفسير تعين على معرفة ما في القرءان من كيفية العبادات ، والأعمال التي تفيد تزكية النفس ، ومعرفة طريق تزكية النفس تفيد استعداد النفس لقبول الهداية إلى معرفة الله سبحانه وتعالى ، كما قال تعالى * ( قَدْ أَفْلَحَ من زَكَّاها ) * « 1 » وقال عز وجل * ( والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) * « 2 » فتكون جملة هذه المعارف كالوسائل إلى تحقيق معرفة الله تعالى . وإنما الكمال في معرفة الله ، ومعرفة صفاته وأفعاله ، وينطوى فيه جميع المعارف المحيطة بالموجودات إذا الموجودات كلها من أفعاله ، فمن عرفها من حيث هي فعل الله تعالى ومن حيث ارتباطها بالقدرة والإرادة والحكمة ، فهي من تكملة معرفة الله تعالى . وهذا حكم كمال العلم ، ذكرناه وإن لم يكن لائقا بأحكام الجاه والرياء ، ولكن أوردناه لاستيفاء أقسام الكمال وأما القدرة ، فليس فيها كمال حقيقي للعبد ، بل للعبد علم حقيقي ، وليس له قدرة حقيقية وإنما القدرة الحقيقية لله . وما يحدث من الأشياء عقيب إرادة العبد ، وقدرته وحركته ،
هامش
« 1 » الشمس : 9 . « 2 » العنكبوت : 69