فلم يجد الرغيف . فقال للرجل ، من أخذ الرغيف ؟ فقال لا أدرى . قال فانطلق ومعه صاحبه فرأى ظبية ومعها خشفان لها ، قال فدعا أحدهما فأتاه ، فذبحه ، فاشتوى منه ، فأكل هو وذاك الرجل ، ثم قال للخشف قم بإذن الله ، فقام فذهب . فقال للرجل أسألك بالذي أراك هذه الآية ، من أخذ الرغيف ؟ فقال لا أدرى . ثم انتهيا إلى وادي ماء ، فأخذ عيسى بيد الرجل ، فمشيا على الماء ، فلما جاوزا قال له ، أسألك بالذي أراك هذه الآية ، من أخذ الرغيف ؟
فقال لا أدرى . فانتهيا إلى مفازة ، فجلسا ، فأخذ عيسى عليه السّلام يجمع ترابا وكثيبا ، ثم قال ، كن ذهبا بإذن الله تعالى ، فصار ذهبا . فقسمه ثلاثة أثلاث ، ثم قال ، ثلث لي ، وثلث لك ، وثلث لمن أخذ الرغيف . فقال أنا الذي أخذت الرغيف . فقال كله لك . وفارقه عيسى عليه السّلام ، فانتهى إليه رجلان في المفازة ، ومعه المال ، فأرادا أن يأخذاه منه ويقتلاه .
فقال هو بيننا أثلاثا ، فابعثوا أحدكم إلى القرية حتى يشترى لنا طعاما نأكله . قال فبعثوا أحدهم ، فقال الذي بعث ، لأي شيء أقاسم هؤلاء هذا المال ؟ لكني أضع في هذا الطعام سما فأقتلهما ، وآخذ المال وحدي . قال ففعل . وقال ذانك الرجلان ، لأي شيء نجعل لهذا ثلث المال ؟ ولكن إذا رجع قتلناه ، واقتسمنا المال بيننا . قال فلما رجع إليهما قتلاه ، وأكلا الطعام فماتا ، فبقي ذلك المال في المفازة ، وأولئك الثلاثة عنده قتلي . فمر بهم عيسى عليه السّلام على تلك الحالة ، فقال لأصحابه ، هذه فاحذروها وحكى أن ذا القرنين أتى على أمة من الأمم ، ليس بأيديهم شيء مما يستمتع به الناس من دنياهم ، قد احتفروا قبورا ، فإذا أصبحوا تعهدوا تلك القبور ، وكنسوها ، وصلوا عندها ورعوا البقل كما ترعى البهائم . وقد قيض لهم في ذلك معايش من نبات الأرض . وأرسل ذو القرنين إلى ملكهم ، فقال له أجب ذا القرنين . فقال مالي إليه حاجة فإن كان له حاجة فليأتنى . فقال ذو القرنين صدق . فأقبل إليه ذو القرنين ، وقال له ، أرسلت إليك لتأتيني فأبيت فها أنا قد جئت . فقال لو كان لي إليك حاجة لأتيتك . فقال له ذو القرنين ، مالي أراكم على حالة لم أر أحدا من الأمم عليها ؟ قال وما ذاك ؟ قال ليس لكم دنيا ولا شيء ، أفلا اتخذتم الذهب والفضة فاستمتعتم بهما ؟ قالوا إنما كرهناهما ، لأن أحدا لم يعط منهما شيئا إلا تاقت نفسه ودعته إلى ما هو أفضل منه . فقال ما بالكم قد احتفرتم قبورا ، فإذا أصبحتم
إحياء علوم الدين — صفحة 75
مساهمون: الغزالي
ص٧٥