نعم : وشغلك بذكر الله أفضل من بذل المال في سبيل الله ، فاجتمع لك راجة العاجل ، مع السلامة والفضل في الآجل . وبعد ، فلو كان في جمع المال فضل عظيم ، لوجب عليك في مكارم الأخلاق أن تتأسى بنبيك . إذ هداك الله به ، وترضى ما اختاره لنفسه من مجانبة الدنيا ويحك ، تدبر ما سمعت ، وكن على يقين أن السعادة والفوز في مجانبة الدنيا ، فسر مع لواء المصطفى ، سابقا إلى جنة المأوى ، فإنه بلغنا أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] قال « سادات المؤمنين في الجنّة من إذا تغدّى لم يجد عشاء وإذا استقرض لم يجد قرضا وليس له فضل كسوة إلَّا ما يواريه ولم يقدر على أن يكتسب ما يغنيه يمسي مع ذلك ويصبح راضيا عن ربّه » * ( فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ من النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصَّالِحِينَ وحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) * « 1 » : ألا يا أخي ، متى جمعت هذا المال بعد هذا البيان ، فإنك مبطل فيما ادعيت أنك للبر والفضل تجمعه . لا ، ولكنك خوفا من الفقر تجمعه ، وللتنعم ، والزينة ، والتكاثر ، والفخر ، والعلو ، والرياء ، والسمعة ، والتعظم والتكرمة تجمعه ، ثم تزعم أنك لأعمال البر تجمع المال ، ويحك ، راقب الله واستحى من دعواك أيها المغرور . ويحك ، إن كنت مفتونا بحب المال والدنيا ، فكن مقرا أن الفضل والخير في الرضا بالبلغة ، ومجانبة الفضول . نعم : وكن عند جمع المال مزريا على نفسك معترفا بإساءتك ، وجلا من الحساب . فذلك أنجى لك ، وأقرب إلى الفضل من طلب الحجج لجمع المال إخواني : اعلموا أن دهر الصحابة كان الحلال فيه موجودا ، وكانوا مع ذلك من أورع الناس وأزهدهم في المباح لهم ، ونحن في دهر الحلال فيه مفقود ، وكيف لنا من الحلال مبلغ القوت وستر العورة فأما جمع المال في دهرنا ، فأعاذنا الله وإياكم منه وبعد ، فأين لنا بمثل تقوى الصحابة وورعهم ، ومثل زهدهم واحتياطهم . وأين لنا مثل ضمائرهم وحسن نياتهم . دهينا ورب السماء بأدواء النفوس وأ هوائها ، وعن قريب يكون
شرح
[ 1 ] حديث سادات المؤمنين في الجنة من إذا تغدى لم يجد عشاء - الحديث : عزاه صاحب مسند الفردوس للطبراني من رواية أبي حازم عن أبي هريرة مختصرا بلفظ سادة الفقراء في الجنة - الحديث :
ولم أره في معاجم الطبراني
هامش
« 1 » النساء : 69