تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
ويجاوز حد التنزيل ، منكر مكروه ، شديد الكراهة ، أنكره جماعة من السلف ومنها : الحلق يوم الجمعة لبيع الأدوية والأطعمة ، والتعويذات ، وكقيام السؤال ، وقراءتهم القرءان وإنشادهم الأشعار وما يجرى مجراه ، فهذه الأشياء منها ما هو محرم ، لكونه تلبيسا وكذبا ، كالكذابين من طرقية الأطباء وكأهل الشعبذة والتلبيسات ، وكذا أرباب التعويذات في الأغلب ، يتوصلون إلى بيعها بتلبيسات على الصبيان والسوادية ، فهذا حرام في المسجد وخارج المسجد ، ويجب المنع منه ، بل كل بيع فيه كذب وتلبيس وإخفاء عيب على المشتري فهو حرام ومنها : ما هو مباح خارج المسجد ، كالخياطة وبيع الأدوية والكتب والأطعمة ، فهذا في المسجد أيضا لا يحرم إلا بعارض ، وهو أن يضيق المحل على المصلين ، ويشوش عليهم صلاتهم ، فإن لم يكن شيء من ذلك فليس بحرام ، والأولى تركه ، ولكن شرط إباحته أن يجرى في أوقات نادرة وأيام معدودة ، فإن اتخذ المسجد دكانا على الدوام حرم ذلك ومنع منه ، فمن المباحات ما يباح بشرط القلة ، فإن كثر صار صغيرة ، كما أن من الذنوب ما يكون صغيرة بشرط عدم الإصرار ، فإن كان القليل من هذا لو فتح بابه لخيف منه أن ينجر إلى الكثير فليمنع منه ، وليكن هذا المنع إلى الوالي أو إلى القيم بمصالح المسجد من قبل الوالي ، لأنه لا يدرك ذلك بالاجتهاد ، وليس للآحاد المنع مما هو مباح في نفسه لخوفه أن ذلك يكثر ومنها : دخول المجانين والصبيان السكارى في المسجد ، ولا بأس بدخول الصبي المسجد إذا لم يلعب ولا يحرم عليه اللعب في المسجد ، ولا السكوت على لعبه ، إلا إذا اتخذ المسجد ملعبا ، وصار ذلك معتادا ، فيجب المنع منه ، فهذا مما يحل قليله دون كثيره ودليل حل قليله ، ما روى في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف لأجل عائشة رضي الله عنها ، حتى نظرت إلى الحبشة يزفنون ، ويلعبون بالدرق والحراب يوم العيد في المسجد ، ولا شك في أن الحبشة لو اتخذوا المسجد ملعبا لمنعوا منه . ولم ير ذلك على الندرة والقلة منكرا ، حتى نظر إليه بل أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم لتبصره عائشة تطييبا لقلبها ، إذ قال « دونكم يا بني أرفدة » كما نقلناه في كتاب السماع وأما المجانين : فلا بأس بدخولهم المسجد . إلا أن يخشى تلويثهم له ، أو شتمهم أو نطقهم بما هو فحش ، أو تعاطيهم لما هو منكر في صورته : ككشف العورة وغيره ، وأما المجنون
إحياء علوم الدين — صفحة 59 | الغزالي