ودونه درجة أخرى وهو صوم نصف الدهر : بأن يصوم يوما ويفطر يوما ، وذلك أشد على النفس وأقوى في قهرها . وقد ورد في فضله أخبار كثيرة ، لأن العبد فيه بين صوم يوم وشكر يوم ، فقد قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « عرضت علىّ مفاتيح خزائن الدّنيا وكنوز الأرض فرددتها وقلت أجوع يوما وأشبع يوما أحمدك إذا شبعت وأتضرّع إليك إذا جعت » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « أفضل الصّيام صوم أخي داود : كان يصوم يوما ويفطر يوما » ومن ذلك [ 3 ] منازلته صلَّى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في الصوم وهو يقول إني أطيق أكثر من ذلك فقال صلَّى الله عليه وسلم « صم يوما وأفطر يوما ، فقال إني أريد أفضل من ذلك ، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم لا أفضل من ذلك » وقد روى « أنّه صلَّى الله عليه وسلَّم [ 4 ] ما صام شهرا كاملا قطَّ إلَّا رمضان » ومن لا يقدر على صوم نصف الدهر فلا بأس بثلثه ، وهو أن يصوم يوما ويفطر يومين وإذا صام ثلاثة من أول الشهر وثلاثة من الوسط وثلاثة من الأخر فهو ثلث ، وواقع في الأوقات الفاضلة ، وإن صام الاثنين والخميس والجمعة فهو قريب من الثلث . وإذا ظهرت أوقات الفضيلة فالكمال في أن يفهم الإنسان معنى الصوم ، وأن مقصوده تصفية القلب وتفريغ الهم لله عز وجل . والفقيه بدقائق الباطن ينظر إلى أحواله ، فقد يقتضي حاله دوام الصوم ، وقد يقتضي دوام الفطر ، وقد يقضى مزج الإفطار بالصوم . وإذا فهم المعنى وتحقق حده في سلوك طريق الآخرة بمراقبة القلب لم يخف عليه صلاح قلبه ، وذلك لا يوجب ترتيبا مستمرا ، ولذلك روى « أنّه صلَّى الله عليه وسلَّم [ 5 ] كان يصوم حتّى يقال لا يفطر ويفطر حتّى يقال لا يصوم وينام حتّى يقال لا يقوم ويقوم حتّى يقال لا ينام » وكان ذلك بحسب ما ينكشف له بنور النبوة من القيام بحقوق الأوقات
شرح
[ 1 ] حديث عرضت على مفاتيح خزائن الدنيا - الحديث : ت من حديث أبي أمامة بلفظ عرض على ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا وقال حسن
[ 2 ] حديث أفضل الصيام صوم أخي داود - الحديث : أخرجاه من حديث عبد الله بن عمرو
[ 3 ] حديث منازلته لعبد الله بن عمرو وقوله صم يوما وأفطر يوما - الحديث : أخرجاه من حديثه
[ 4 ] حديث ما صام شهرا كاملا قط إلا رمضان : أخرجاه من حديث عائشة
[ 5 ] حديث كان يصوم حتى يقال لا يفطر - الحديث : م أخرجاه من حديث عائشة وابن عباس دون ذكر القيام والنوم وخ من حديث أنس كان يفطر من الشهر حتى يظن أن لا يصوم منه شيئا ويصوم حتى يظن أن لا يفطر منه شيئا وكان لا تشاء تراه من الليل مصليا الا رأيته ولا نائما الا رأيته