* ( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) * « 1 » . وقال تعالى أيضاً * ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) * « 2 » .
وتقريب الاستدلال بالآية الأولى التي قد سمّيت عندهم بآية النفر : أن المأمور به فيها هو الإنذار ، والمقصود من الإنذار بيان الأحكام الشرعيّة بشهادة نفس الآية ؛ فإنّ الظاهر منها كون الإنذار نتيجة التفقّه في الدين . فذكر اللازم وأريد الملزوم .
واعلم أنّ بيان الأحكام قد يكون بحكاية قول النبيّ وذلك هو الرواية والتحديث ، وقد يكون بحكاية ما استفيد من قوله أو فعله أو تقريره وذلك هو الإفتاء ، والإخبار عن التفقّه والاجتهاد .
ثمّ اعلم أنّ كلمة « لعلّ » الواقعة في الآية على الحذر مفيدة للتوقّع . ولمّا كان التوقّع غير لائق بمقامه تعالى فإنّ الشكّ مأخوذ في مفهوم التوقّع ، فكلمة « لعلّ » تفيد أنّ الحذر مطلوب له تعالى .
ومن المعلوم أنّ الحذر فعل اختياري ، وقد جعل في الآية الكريمة غاية للإنذار الواجب ، فيكون الحذر واجباً بالأولويّة القطعيّة ؛ لظهور أنّ وجوب المغيّا قد نشأ من وجوب الغاية .
و « الحذر » في العرف واللغة بمعنى التحرّز عن الشيء ، فهو من الأفعال الخارجيّة ، وليس بأمر نفساني ، كما يشهد بذلك قولهم : الغراب حذر .
« فالحذر » في الآية الكريمة جعل كناية عن العمل بما أخبر به النافرون ، وهم الرواة أو المجتهدون . والعمل بخبر المجتهد هو التقليد عنه ، ففي الآية دلالة على أنّ التقليد هو العمل .
ولا يخفى أنّ اختلاف التفقّه والاجتهاد سهولة في صدر الإسلام وصعوبة في هذه الأزمنة لا يوجب صرف ظهور الآية عن معنى عامّ إلى معنى خاصّ ، وهو الدلالة على
هامش
« 1 » التوبة ( 9 ) الآية 122 .
« 2 » النحل ( 16 ) الآية 43 .