أقول : إنّ ذلك يشبه المصادرة ؛ إذ الكلام في أنّ من له حقّ الدعوى هل له وحده اختيار القاضي أم لا ؟
واستدلّ عليه بعض الأساطين قائلًا :
مقتضى بناء العقلاء هو أنّ طرق إثبات الدعوى بيد المدّعى ، وله أن يختار أيّ طريق شاء في إثبات دعواه ، وليس للآخرين اقتراح طريق خاصّ عليه ، واختيار الحاكم من طريق إثبات الدعوى ، فيكون بيد المدّعى « 1 » .
ويرد عليه :
أوّلًا : أنّ الحاكم من طرق إثبات الحقّ لا إثبات الدعوى ؛ لأنّ ثبوت الدعوى إنّما يكون لديه ، فكيف يكون من طرق إثباتها ؟
وثانياً : أنّ ثبوت بناء العقلاء على ثبوت هذا الحقّ للمدّعي غير مفيد للبحث ؛ إذ الكلام في سلب اختيار المنكر ، فبناء العقلاء غير مناف لأن يكون للمنكر رفض القاضي ، وإن كان منافياً لأن يكون بيده تعيين القاضي ، وإنّما الكلام في الأوّل لا في الثاني .
وذلك لا يصير دليلًا على ثبوت انحصار الحق بالمدّعي ، وأنّه ليس للمنكر حقّ الرفض ، وإلا فلا كلام في ثبوت هذا الحقّ في الجملة للمدّعي .
ثمّ إنّ ظاهر قوله عليه السلام في مقبولة عمر : « ينظران إلى من كان منكم » « 2 » وإنّ إطلاقه ، وترك الاستفصال فيها عن كون الاختلاف بنحو التداعي ، أو بنحو الادّعاء والإنكار ، يشهد بأنّ للمنكر حقّا أيضاً في قبول القاضي أو ردّه .
نعم ، سؤال الراوي : « فإن كان كلّ رجل إلخ » ظاهر في الاختصاص بقاضي التحكيم ، فيكون قرينة لما يراد من الصدر ، ولا أقلّ يكون مضرّاً بانعقاد الإطلاق .
هذا ولكن كون المدّعى مختاراً في تعيين القاضي محلّ التسالم بينهم ، وقد أرسله
هامش
« 1 » دروس في فقه الشيعة ، ج 1 ، ص 235 و 236 .
« 2 » وسائل الشيعة ، ج 27 ، ص 136 137 ، الباب 11 من أبواب صفات القاضي ، ح 1 .