اعتبارها في العدالة حتّى يكون البحث على بصيرة ، فنقول : إنّ أكثرهم لم يفسّروا المروءة في كلماتهم حقّ التفسير ، واكتفوا لها بالمثال ، وقد مرّ عليك كلام الشيخ وابن إدريس في أوائل البحث .
قال صاحب الحدائق :
فسّروا المروءة باتّباع محاسن العادات ، واجتناب مساوئها ، وما تنفر عنه النفس من المباحات ، ويؤذن بدناءة النفس وخسّتها كالأكل في الأسواق والمجامع ، والبول في الشوارع ، وكشف الرأس في المجامع ، وتقبيل الزوجة أو الأمة في المحضر ، ولبس الفقيه لباس الجندي ، والمضايقة في اليسير الذي لا يناسب الفقيه « 1 » .
أقول : إنّ الذي يؤذن بدناءة النفس ولؤمها هو المثال الأخير فقط دون البقيّة ، وإنّ بعض هذه الأمثلة يكشف عن قلَّة العقل فلا صلة له بالعدالة .
ثمّ إنّ محاسن العادات ومساوئها مختلفة بحسب الأقوام والأعصار والبلاد ، بل بالنسبة إلى الأفراد ، بل بالنسبة إلى شخص واحد في حال دون حال .
ثمّ قال ( قده ) :
إنّ اعتبار المروءة في العدالة يدفعه ما ورد عنه : أنّه كان يركب الحمار العاري ، ويردف خلفه ، وأنّه كان يأكل ماشياً إلى الصلاة بجمع من الناس في المسجد ، وأنّه كان يحلب الشاة ، ونحو ذلك . « 2 » ونظير هذا الكلام ما ورد من إظهار حبّه لبنته الصدّيقة والحسنين » ، وحملهما على نفسه الكريمة حال الصلاة ، حال كونه إماماً للجماعة .
والتحقيق : أنّ هذه السيرة غير دالَّة على عدم اعتبار المروءة في العدالة لما عرفت من اختلاف العادات بحسب الأشخاص والأزمان والبلاد ، فقد تكون عادة تنافي المروءة بحسب رجل ولا تنافي المروءة بحسب رجل آخر .
ومن المعلوم : أنّ المصلح العظيم الذي يقصد كسر أصنام الجاهليّة والسنن الوثنيّة
هامش
« 1 » الحدائق ، ج 10 ، ص 15 .
« 2 » الحدائق ، ج 10 ، ص 16 .