في مقام بيان طريق ثان لها ، وعدم إتيان لفظة أيضاً ونحوها يكشف عن كون بيان الطريق إلى العدالة قد ابتدأ من قوله عليه السلام : « وتعرف » « 1 » فقرّر أنّ الجملة الأُولى قد أتت لبيان نفس مفهوم العدالة ، فالمراد من قوله عليه السلام : « أن تعرفوه بالستر والعفاف » « 2 » أن يكون الرجل ساتراً عفيفاً ، ويشهد لذلك قوله عليه السلام في موثّقة سماعة : « لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفاً صائناً » « 3 » .
قوله عليه السلام : « بالستر والعفاف » الستر في اللغة تغطية الشيء ، وأُطلق في النصّ على الإباء عن ارتكاب الإثم ، وهذا تغطية الإثم من الله تعالى ومن الناس ، والإباء عن ترك ما يجب وعن فعل ما يحرم هو الستر ، ويشهد بذلك العفاف الذي عطف عليه عطفاً تفسيريّاً ، والعفاف بمعنى الكفّ عمّا لا يحلّ ولا يجمل ، فالستر هو العفاف ، والعفاف هو الستر .
قوله عليه السلام : « وكفّ البطن والفرج واليد واللسان » « 4 » هذا عطف تفسيري على الستر والعفاف ، فإمّا أن يكون المعطوف والمعطوف عليه جميعاً تعريفاً واحداً للعدالة ، أو كلّ واحد منهما تعريفاً مستقلا لها ، وعلى كلا التقديرين فهما مفيدان لمعنى واحد ، وإن كان دعوى الظهور في الاحتمال الثاني غير بعيدة .
وكيف كان فالستر والعفاف عبارة أُخرى عن كفّ البطن والفرج واليد واللسان ، كما أنّ كفّ البطن والفرج واليد واللسان هو الستر والعفاف .
قوله عليه السلام : « ويعرف باجتناب الكبائر » « 5 » .
بعد أنّ تفضّل عليه السلام ببيان أصل مفهوم العدالة أجاد بذكر طريق لمعرفتها بقرينة إتيان الفعل مبنيّاً للمفعول ، فإنّه عليه السلام كان يستطيع أن يقول : وهي اجتناب الكبائر ، لكنّه عليه السلام لم يقل ، بل قال عليه السلام : « ويعرف باجتناب الكبائر » . ويشهد لذلك أنّ اجتناب
هامش
« 1 » مرّ تخريجه في ص 295 .
« 2 » مرّ تخريجه في ص 295 .
« 3 » وسائل الشيعة ، ج 27 ، ص 372 ، الباب 29 من أبواب الشهادات ، ح 3 ؛ الفقيه ، ج 3 ، ص 27 ، ح 77 .
« 4 » مرّ تخريجه في ص 295 .
« 5 » مرّ تخريجه في ص 295 .