وتحقيق البحث فيه أن يقال : إنّ للجنون درجات ومراتب . والمجنون الذي يصحّ منه الاستنباط ، ويقتدر على الاجتهاد ، ويتمكَّن من بيان آرائه وفتياه خارج عن متيقّن معقد الإجماع ، لكن لا يبعد دعوى انصراف الأدلَّة اللفظيّة عن مثله .
وأمّا المجنون الأدواري فالظاهر كونه مشمولًا للإطلاقات ، وخارجاً عن متيقّن معقد الإجماع المدّعى ؛ ولعلَّه لذلك حكي القول بجواز تقليده عن صاحبي الإشارات والمفاتيح . « 1 » ثمّ إنّ العقل المعتبر في المفتي هل هو العقل في حال الاستنباط أم العقل في حال العمل بفتواه ؟
والأوّل أقرب ؛ لقيام سيرة العقلاء على الرجوع إلى رأي الخبير عند جنونه إذا كان استنباطه في حال إفاقته ، ولا بأس بجريان استصحاب جواز العمل بمثل هذه الفتوى بعد عروض الجنون ، كما أنّ المتيقّن من الإجماع على عدم جواز تقليد المجنون هو الجنون في حال الاستنباط .
وقال بعض الأساطين :
لا ريب في اعتبار العقل حال العمل بفتواه فضلًا عن حال الاستنباط ؛ لظهور الأدلَّة اللفظيّة في أنّ المرجع هو الفقيه لا رأيه ، ولا يصدق الفقيه والعالم على المجنون ، فلا اعتبار برأيه السابق قبل طروء الجنون عليه « 2 » .
أقول : وهذا الكلام لا يخلو من ضعف ؛ لأنّ الظاهر من الإرجاع إلى الفقيه أنّ المراد من الفقيه من يكون صالحاً لأخذ الفتوى منه .
وأمّا عمل المستفتي بقوله فهو أجنبي عن ذلك ، وغير مقوّم لصلاحيّة الفقيه لأن يصير مرجعاً ، فإنّ المعتبر في المرجع هو الصلاحيّة ، لا الفعليّة .
وأمّا ظهور الأدلَّة في كون المرجع هو الفقيه لا رأيه ، ودعوى انصرافها عن المجنون
هامش
« 1 » مفاتيح الأُصول ، ص 611 ، سطر 5 .
« 2 » دروس في فقه الشيعة ، ج 1 ، ص 120 .