يعتبر من أهل الحل والعقد وهم المجتهدون والمجمعون ليسوا بمجتهدين فلا يعتبر اجماعهم بحال
قال ابن دقيق العيد توقيف الفتيا على حصول المجتهد يفضي إلى حرج عظيم أو استرسال الخلف في أهويتهم فالمختار ان الراوي عن الأئمة المتقدمين إذا كان عدلا متمكنا من فهم كلام الإمام ثم حكى للمقلد قوله فإنه يكتفي به لان ذلك مما يغلب على ظن العامي أنه حكم الله عنده وقد انعقد الإجماع في زماننا على هذا النوع من الفتيا هذا مع العلم الضروري بان نساء الصحابة كن يرجعن في أحكام الحيض وغيره إلى ما يخبر به أزواجهن عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك فعل علي رضي الله عنه حين أرسل المقداد بن الأسود في قصة المذي وفي مسألتنا اظهر فان مراجعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ ذاك ممكنة ومراجعة المقلد الآن للأئمة السابقين متعذرة وقد أطبق الناس على تنفيذ أحكام القضاة مع عدم شرائط الاجتهاد اليوم انتهى
قلت وفي كلام هذا المحقق ما لا يخفى على الفطن اما قوله يفضي إلى حرج عظيم الخ فغير مسلم فإن من حدثت له الحادثة لا يتعذر عليه ان يستفتي من يعرف ما شرعه الله في المسألة في كتابه أو على لسان رسوله كما يمكنه ان يسأل من يعرف مذهب مجتهد من الأموات عن رأي ذلك المجتهد في حادثته واما استدلاله على الجواز بقوله لأن ذلك مما يغلب على ظن العامي الخ فمن اغرب ما يسمعه السامع لا سيما عن مثل هذا الإمام وأي ظن لهذا العامي بالنسبة إلى الأحكام الشرعية وأي تأثير لظنون العامة الذين لا يعرفون الشريعة ومعلوم ان ظن غالبهم لا يكون الا فيما يوافق هواه « ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض » واما قوله مع العلم الضروري بأن نساء الصحابة الخ
فنقول نعم ذلك أمر ضروري فكان ماذا فإن ذلك ليس باستفتاء عن رأي من ليس بحجة بل استفتاء عن الشرع في ذلك الحكم فإن كان المسؤول يعلمه رواه للسائل وان لم يعلمه أحال السؤال على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو على من يعلمه من أصحابه وكذا فيمن بعدهم ونحن لا نطلب من العامي والمقصر إذا نابته نائبة وحدثت له حادثه إلا أن يفعل هكذا فيسأل علماء عصره كما كان الصحابة والتابعون فتابعوهم يسألون أهل العلم فيهم وما كانوا يسألونهم عن مذاهبهم ولا عما يقولونه بمحض الرأي فان قلت ليس مراد هذا المحقق إلا أنهم يستفتون المقلد عما صح لذلك المجتهد بالدليل قلت إذا كان مراده هذا فأي فائدة لادخال المجتهدين في البين وما ثمرة ذلك فينبغي له ان يسأل عن الثابت في الشريعة ويكون المسؤول فيمن لا يجهله فيفتيه حينئذ بفتوى قرآنية أو نبوية ويدع السؤال عن مذاهب الناس ويستغني بمذهب إمامهم الأول وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأما ارسال علي للمقداد فهو انما أرسل ليروي له ما يقوله الصادق المصدوق المعصوم عن الخطأ وأين هذا مما نحن بصدده واما قوله وقد أطبق الناس على تنفيذ أحكام القضاة مع عدم شرائط الاجتهاد فيجاب عنه بأن هذا الاطباق ان كان من المجتهدين فممنوع وان كان من العامة المقلدين فلا اعتبار به وعلى كل حال فغير المجتهد لا يدري بحكم الله في تلك الحادثة وإذا لم يدره فهو حاكم بالجهل ليس بحجة على أحد
وذهبت طائفة إلى أنه يجوز للمقلد ان يفتي إذا عدم المجتهد والا فلا وقال آخرون انه يجوز لمقلد الحي ان يفتي بما شافهه به أو ينقله إليه موثوق بقوله أو وجده مكتوبا في كتاب معتمد عليه ولا يجوز له تقليد الميت قال الروياني والماوردي إذا علم العامي حكم الحادثة ودليلها فهل له ان يفتي فيه أوجه ثالثها ان كان الدليل نصا من كتاب أو سنة جاز وان كان نظرا واستنباطا لم يجز قال الروياني والماوردي والأصح انه لا يجوز مطلقا لأنه قد يكون هناك دلالة تعارضها أقوى منها وقال الجويني في شرح الرسالة من حفظ نصوص الشافعي وأقوال الناس بأسرها
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 270
مساهمون: الشوكاني
ص٢٧٠