الخامس المتنافيان عكسا أي نفيا كالأساس والخلل فإنهما لا يرتفعان فلا يوجد ما ليس له أساس ولا يختل وقد يجتمعان في كل ما له أساس قد يختل بوجه آخر وهذا يجري فيه تلازم النفي والاثبات طردا وعكسا فيصدق كل ما لم يكن له أساس فهو مختل وكل ما لم يكن مختلا فليس له أساس ولا يصدق كل ما كان له أساس فليس بمختل وكل ما كان مختلا فليس له أساس وما قدمنا عن الآمدي ان من أنواع الاستدلال قولهم وجد السبب الخ هو أحد الأقوال لأهل الأصول وقال بعضهم انه ليس بدليل وانما هو دعوى دليل فهو بمثابة قولهم وجد دليل الحكم فيوجد الحكم لا يكون دليلا ما لم يعين وانما الدليل ما يستلزم المدلول وقال بعضهم هو دليل إذ لا معنى للدليل الا ما يلزم من العلم به العلم بالمدلول والصواب القول الأول انه استدلال لا دليل ولا مجرد دعوى واعلم أنه يرد على جميع اقسام التلازم من الاعتراضات السابقة جميع ما تقدم ما عدا الاعتراضات الواردة على نفس العلة
البحث الثاني الاستصحاب أي استصحاب الحال لأمر وجودي أو عدمي عقلي أو فرعي ومعناه ان ما ثبت في الزمن الماضي فالأصل بقاؤه في الزمن المستقبل مأخوذ من المصاحبة وهو بقاء ذلك لأمر ما لم يوجد ما يغيره فيقال الحكم الفلاني قد كان فيما مضى وكلما كان فيما مضى ولم يظن عدمه فهو مظنون البقاء قال الخوارزمي في الكافي هو آخر مدار الفتوى فان المفتي إذا سئل عن حادثة يطلب حكمها في الكتاب ثم في السنة في الاجماع ثم في القياس فإن لم يجده فيأخذ حكمها من استصحاب الحال في النفي لاثبات فإن كان التردد في زواله فالأصل بقاؤه وان كان التردد في ثبوته فالأصل عدم ثبوته انتهى
واختلفوا هل هو حجة عند عدم الدليل على أقوال الأول انه حجة وبه قالت الحنابلة وانما المالكية وأكثر الشافعية والظاهرية سواء كان في النفي أو الاثبات وحكاه ابن الحاجب عن الأكثرين الثاني انه ليس بحجة واليه ذهب أكثر الحنفية والمتكلمين كأبي الحسين البصري قالوا لأن الثبوت في الزمان الأول يفتقر إلى الدليل فكذلك في الزمان الثاني لأنه يجوز ان يكون وان لا يكون وهذا خاص عندهم بالشرعيات بخلاف الحسيات فان الله سبحانه أجرى العادة فيها بذلك ولم يجر العادة به في الشرعيات فلا تلحق بالحسيات ومنهم من نقل عنه تخصيص النفي بالأمر الوجودي ومنهم من نقل عنه الخلاف مطلقا قال الصفي الهندي وهو يقتضي تحقق الخلاف في الوجودي والعدمي جميعا لكنه بعيد إذ تفاريعهم تدل على أن استصحاب العدم الأصلي حجة قال الزركشي والمنقول في كتب أكثر الحنفية أنه لا يصلح حجة عل الغير ولكن يصلح للرفع والدفع وقال أكثر المتأخرين منهم انه حجة لإبقاء ما كان ولا يصلح حجة لاثبات أمر لم يكن كما في المفقود فالأصل وهو بقاؤه حيا يصلح حجة لابقاء ما كان فلا يورث ماله ولا يصلح حجة لاثبات أمر لم يكن فلا يرث من أقاربه الثالث انه حجة على المجتهد فيما بينه وبين الله عز وجل فإنه لا يكلف الا ما يدخل
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 237
مساهمون: الشوكاني
ص٢٣٧