أبو بكر وابن برهان والصفي الهندي وخالفهم القاضي عبد الوهاب فنقل عن قوم انه لا يصح التعليل بها على الاطلاق سواء كانت منصوصة أو مستنبطة قال وهذا قول أكثر أهل العراق انتهى واما إذا كانت العلة القاصرة مستنبطة فهي محل الخلاف فقال أبو بكر القفال بالمنع وبمثله قال ابن السمعاني ونقله إمام الحرمين عن الحليمي وقال القاضي أبو بكر وجمهور أصحاب الشافعي بالجواز قال القاضي عبد الوهاب وهو قول جميع أصحابنا وأصحاب الشافعي وحكاه الآمدي عن أحمد قال ابن برهان في الوجيز كان الأستاذ أبو إسحاق من الغلاة في تصحيح العلة القاصرة ويقول هي أولى من المتعدية واحتج بأن وقوفها يقتضي نفي الحكم عن الأصل في النفي كما كان تعديها مؤثرا في الاثبات وهذا احتجاج فاسد واستدلال باطل ومنها ان لا يكون وصفها حكما شرعيا عند قوم لأنه معلول فكيف يكون علة والمختار جواز تعليل الحكم الشرعي بالوصف الشرعي ومنها أن تكون مستنبطة من أصل مقطوع بحكمه عند قوم والمختار عدم اعتبار ذلك بل يكتفى بالظن ومنها القطع بوجود العلة في الفرع عند قوم منهم البزدوي والمختار الاكتفاء بالظن ومنها ان لا تكون مخالفة لمذهب صحابي وذلك عند من يقول بحجية قول الصاحبي لا عند الجمهور
وقد اختلفوا في جواز تعدد العلل مع اتحاد الحكم فإن كان الاتحاد بالنوع مع الاختلاف بالشخص كتعليل إباحة قتل زيد بردته وقتل عمرو بالقصاص وقتل خالد بالزنا مع الاحصان فقد اتفقوا على الجواز وممن نقل الاتفاق على ذلك الأستاذ أبو منصور البغدادي والآمدي والصفي الهندي واما إذا كان الاتحاد بالشخص فقيل لا خلاف في امتناعه بعلل
عقلية وحكى القاضي الخلاف في ذلك فقال ثم اختلفوا إذا وجب الحكم العقلي بعلتين فقيل لا يرتفع الا بارتفاعهما جميعا وقيل يرتفع بارتفاع إحداهما واما تعدد العلل الشرعية مع الاتحاد في الشخص كتعليل قتل زيد بكونه قتل من يجب عليه فيه القصاص وزنى مع الاحصان فان كل واحد منهما يوجب القتل بمجرده فهل يصح تعليل إباحة دمه بهما معا أم لا اختلفوا في ذلك على مذاهب
الأول المنع مطلقا منصوصة كانت أو مستنبطة حكاه القاضي عبد الوهاب عن متقدمي أصحابهم وجزم به الصيرفي واختاره الآمدي ونقله القاضي وإمام الحرمين
الثاني الجواز مطلقا واليه ذهب الجمهور كما حكاه القاضي في التقريب قال وبهذا نقول لأن العلل علامات وأمارات على الأحكام لا موجبة لها فلا يستحيل ذلك قال ابن برهان في الوجيز انه الذي استقر عليه رأي إمام الحرمين
الثالث الجواز في المنصوصة دون المستنبطة واليه ذهب أبو بكر بن فورك والفخر الرازي واتباعه وذكر إمام الحرمين ان القاضي يميل إليه وكلام إمام الحرمين هذا هو الذي اعتمده ابن الحاجب في نقل هذا المذهب عن القاضي كما صرح به في مختصر المنتهى ولكن النقل عن القاضي مختلف كما عرفته
الرابع الجواز في المستنبطة دون المنصوصة حكاه ابن الحاجب في مختصر المنتهى وابن المنير في شرحه للبرهان وهو قول غريب والحق ما ذهب إليه الجمهور من الجواز وكما ذهبوا إلى الجواز فقد ذهبوا أيضا إلى الوقوع ولم يمنع من ذلك عقل ولا شرع
واما ما يشترط في الفرع فأمور أربعة أحدها مساواة علته لعلة الأصل والثاني مساواة حكمه لحكم الأصل والثالث أن لا يكون منصوصا عليه والرابع ان لا يكون متقدما على حكم الأصل
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 209
مساهمون: الشوكاني
ص٢٠٩