مطلقا ونسبه ابن برهان في الأوسط إلى المعظم وذهب جماعة إلى المنع منهم أبو بكر الصيرفي كما رايته في كتابه وأبو إسحاق المروزي كما رأيته في كتابه في الناسخ والمنسوخ والقاضي أبو بكر وعبد الوهاب والجبائي وابنه أبو هاشم ابن السمعاني وابن الحاجب وقال الإصفهاني انه الحق ومنهم من فصل ومنع في الماضي لأنه يكون تكذيبا دون المستقبل لجريانه مجرى الأمر والنهي فيجوز ان يرفع لأن الكذب يختص بالماضي ولا يتعلق بالمستقبل قال الشافعي لا يجب الوفاء بالوعد وانما يسمى من لم يف بالوعد مخلفا لا كاذبا وهذا التفصيل جزم به سليم وجرى عليه البيضاوي في المنهاج وسبقهما إليه أبو الحسين بن القطان أقول والحق منعه في الماضي مطلقا وفي بعض المستقبل وهو الخبر بالوعد لا بالوعيد ولا بالتكليف اما بالتكليف فظاهر لأنه رفع حكم عن مكلف وأما بالوعيد فلكونه عفوا لا يمتنع من الله سبحانه بل هو حسن يمدح فاعله من غيره ويمتدح به في نفسه واما الماضي فهو كذب صراح إلا أن يتضمن تخصيصا أو تقييدا أو تبيينا لما تضمنه الخبر الماضي فليس بذلك بأس وهذه المسألة لها المام بمسألة الحسن والقبح المتقدم ذكرها في بعض أطرافها دون بعض
وقد استدل المانعون مطلقا باستلزام ذلك الكذب وهو استدلال باطل فان ذلك الاستلزام انما هو في بعض الصور كما عرفت لا في كلها وقد نقل أبو الحسين في المعتمد عن شيوخ المعتزلة منع النسخ في الوعد والوعيد قال الزركشي واما عندنا فكذلك في الوعد لأنه إخلاف والخلف في الانعام يستحيل على الله وبه صرح الصيرفي في كتابه واما في الوعيد فنسخه جائز كما قال ابن السمعاني قال ولا يعد ذلك خلفا بل عفوا وكرما
المسألة الثامنة في نسخ التلاوة دون الحكم والعكس ونسخهما معا وقد جعل أبو إسحاق المروزي وابن السمعاني وغيرهما ذلك ستة أقسام
الأول ما نسخ حكمه وبقي رسمه كنسخ آية الوصية للوالدين والأقربين بآية المواريث ونسخ العدة حولا بالعدة أربعة اشهر وعشرا فالمنسوخ ثابت التلاوة والحكم والى جواز ذلك ذهب الجمهور بل ادعى بعضهم الاجماع عليه وقد حكى جماعة من الحنفية والحنابلة عدم الجواز عن بعض أهل الأصول قالوا لأنه إذا انتفى الحكم فلا فائدة في التلاوة وهذا قصور عن معرفة الشريعة وجهل كبير بالكتاب العزيز فان المنسوخ حكمه الباقية تلاوته في الكتاب العزيز مما لا ينكره من له أدنى قدم في العلم
الثاني ما نسخ حكمه ورسمه وثبت حكم الناسخ ورسمه كنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة ونسخ صيام عاشوراء بصيام رمضان قال أبو إسحاق المروزي ومنهم من جعل القبلة من نسخ السنة بالقرآن وزعم أن استقبال بيت المقدس بالسنة لا بالقرآن
الثالث ما نسخ حكمه وبقي رسمه ورفع رسم الناسخ وبقي حكمه كقوله تعالى « فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا » بقوله تعالى الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله وقد ثبت في الصحيح ان هذا كان قرانا يتلى ثم نسخ لفظه وبقي حكمه
الرابع ما نسخ حكمه ورسمه ونسخ رسم الناسخ وبقي حكمه كما ثبت في الصحيح عن عائشة انها قالت كان فيما انزل عشر رضعات متتابعات يحرمن فنسخن بخمس
رضعات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهن فيما يتلى من القران قال البيهقي فالعشر مما نسخ رسمه وحكمه والخمس مما نسخ رسمه وبقي حكمه بدليل ان الصحابة حين جمعوا القران لم يثبتوها رسما وحكمها
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 189
مساهمون: الشوكاني
ص١٨٩