تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
ثم استقرت على خمس ولا وجه لما قيل إن ذلك كان على سبيل التقرير دون النسخ قال ابن برهان في الوجيز نسخ الحكم قبل علم المكلف بوجوبه جائز عندنا ومنعت من ذلك المعتزلة وأصحاب أبي حنيفة وزعموا أن النسخ قبل العلم يتضمن تكليف المحال قال وهذه المسألة فرغ تكليف ما لا يطاق فإذا قضينا بصحته صح النسخ حينئذ قال واحتج علماؤنا في هذه المسألة بقصة المعراج فان الله تعالى أوجب على الأمة خمسين صلاة ثم نسخها قبل علمهم بوجوبها وهذا لا حجة فيه لأن النسخ انما كان بعد العلم فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحد المكلفين وقد علم ولكنه قبل جميع الأمة وعلم الجميع لا يشترط فان التكليف استقر بعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا اعتماد على هذا الحديث ويجاب عنه بأن عدم علم الأمة يقتضي وقوع النسخ قبل علم المكلفين بما كلفوا به وهو محل النزاع وحكى القاضي أبو بكر وغيره عن جمهور الفقهاء والمتكلمين ان مثل هذا لا يكون نسخا وقال بعض المتأخرين نسخ الحكم قبل علم المكلف بالحكم المنسوخ اتفقت الأشاعرة على جوازه والمعتزلة على منعه وحكى الفقهاء في المسألة طريقين أحدهما ان للشافعي في المسألة قولين والثاني الفرق بين الأحكام التكليفية والأحكام التعريفية فمنعوه في الأول وجوزوه في الثاني كتكليف الغافل وهو مذهب أبي حنيفة انتهى واما إذا كان المكلف قد علم بوجوبه عليه ولكن لم يكن قد دخل وقته وسواء كان موسعا كما لو قال اقتلوا المشركين غدا ثم نسخ عنهم في ذلك اليوم أو يكون على الفور ثم نسخ قبل التمكن من الفعل أو يؤمر بالعبادة مطلقا ثم نسخ قبل مضي وقت يمكن فعلها فيه فذهب الجمهور إلى الجواز ونقله ابن برهان عن الأشعرية وجماعة من الحنفية ونقله غيرهم عن معتزلة البصرة قال القاضي في التقريب وهو قول جميع أهل الحق وذهب أكثر الحنفية كما قاله ابن السمعاني والحنابلة والمعتزلة إلى المنع وبه قال الكرخي والجصاص والماتريدي والدبوسي والصيرفي احتج الجمهور بأنه لا مانع من ذلك لا عقلا ولا شرعا مع أن المقتضي موجود وهو انه رفع تكليف قد ثبت على المكلف فكان نسخا وليس في ذلك ما يستلزم البداء ولا المحال لان المصلحة التي جاز النسخ لأجلها بعد التمكن من الفعل وبعد دخول الوقت يصح اعتبارها قبل التمكن من الفعل وقبل دخول الوقت للقطع بأن تبديل حكم بحكم ورفع شرع بشرع كان فيهما وأما إذا كان قد دخل وقت المأمور به لكن وقع نسخه قبل فعله اما لكونه موسعا أو لكونه أراد ان يشرع فيه فنسخ فقال سليم الرازي وابن الصباغ انه لا خلاف بين أهل العلم في جوازه وجعلوا صورة الخلاف فيما إذا كان النسخ قبل دخول الوقت وكذا نقل الاجماع في هذه الصورة ابن برهان وبعض الحنابلة والآمدي وبه صرح إمام الحرمين في البرهان وأما إذا كان قد دخل وقته شرع في فعله فنسخ قبل تمام الفعل فقال القرافي لم أر فيه نقلا وجعلها الإصفهاني في شرح المحصول من صور الخلاف فمن قال بالجواز جوز هذه الصورة ومن قال بالمنع منعها واما إذا وقع النسخ بعد خروج الوقت قبل الفعل قال الزركشي فمقتضى استدلال ابن الحاجب انه يمتنع بالاتفاق ووجهه بأن التكليف بذلك الفعل المأمور به بعد مضي وقته ينتفي لانتفاء الوقت وإذا انتفى فلا يمكن رفعه لامتناع رفع المعدوم لكن صرح الآمدي في الأحكام بالجواز وانه لا خلاف فيه قيل ولا يتأتى الا إذا صرح بوجوب القضاء أو على القول بأن الأمر بالأداء يستلزم القضاء المسألة الخامسة انها لا يشترط في النسخ ان يخلفه بدل واليه ذهب الجمهور وهو الحق الذي لا سترة به فإنه وقع النسخ في هذه الشريعة المطهرة لأمور معروفة لا إلى بدل ومن ذلك نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول ونسخ ادخار لحوم الأضاحي ونسخ تحريم المباشرة بقوله سبحانه « فالآن باشروهن » ونسخ قيام الليل في حقه صلى الله عليه وآله وسلم وأما ما تمسك به المخالفون وهم بعض المعتزلة وقيل كلهم والظاهرية من قوله سبحانه « ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها » فلا دلالة في ذلك على محل النزاع فان المراد نسخ لفظ الآية كما يدل على ذلك قوله نأت بخير منها أو مثلها فليس لنسخ الحكم ذكر في الآية ولو سلمنا لجاز ان يقال إن
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 187 | الشوكاني