الباب الثامن
من المقصد الرابع في المنطوق والمفهوم
وفيه أربع مسائل
المسألة الأولى في حدهما فالمنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق أي يكون حكما للمذكور وحالا من أحواله والمفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق أي يكون حكما لغير المذكور وحالا من أحواله والحاصل ان الألفاظ قوالب للمعاني المستفادة منها فتارة تستفاد منها من جهة النطق تصريحا وتارة من جهته تلويحا فالأول المنطوق والثاني المفهوم
والمنطوق ينقسم إلى قسمين الأول ما لا يحتمل التأويل وهو النص الثاني ما يحتمله وهو الظاهر والأول أيضا ينقسم إلى قسمين صرح ان دل عليه اللفظ بالمطابقة أو التضمن وغير صريح ان دل عليه بالالتزام وغير الصريح ينقسم إلى دلالة اقتضاء وايماء وإشارة فدلالة الاقتضاء هي إذا توقف الصدق أو الصحة العقلية أو الشرعية عليه مع كون ذلك مقصود المتكلم ودلالة الإيماء ان يقترن اللفظ بحكم لو لم يكن للتعليل لكان بعيدا وسيأتي بيان هذا في القياس ودلالة الإشارة حيث لا يكون مقصودا للمتكلم
والمفهوم ينقسم إلى مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة فمفهوم الموافقة حيث يكون المسكوت عنه موافقا للملفوظ به فإن كان أولى بالحكم من المنطوق به فيسمى فحوى الخطاب وان كان مساويا له فيسمى لحن الخطاب وحكى الماوردي والروياني في الفرق بين فحوى الخطاب ولحن الخطاب وجهين أحدهما ان الفحوى ما نبه عليه اللفظ واللحن ما لاح في اللفظ وثانيهما ان الفحوى ما دل على ما هو أقوى منه واللحن ما دل على مثله وقال القفال ان فحوى الخطاب ما دل المظهر على المسقط واللحن ما يكون محالا على غير المراد والأولى ما ذكرناه أولا وقد شرط بعضهم في مفهوم الموافقة ان يكون أولى من المذكور وقد نقله إمام الحرمين الجويني في البرهان عن الشافعي وهو ظاهر كلام الشيخ أبي إسحاق الشيرازي ونقله الهندي عن الأكثرين واما الغزالي وفخر الدين الرازي
واتباعهما فقد جعلوه قسمين تارة يكون أولى وتارة يكون مساويا وهو الصواب فجعلوا شرطه ان لا يكون المعنى في المسكوت عنه أقل مناسبة للحكم من المعنى المنطوق به قال الزركشي وهو ظاهر كلام الجمهور من أصحابنا وغيرهم وقد اختلفوا في دلالة النص على مفهوم الموافقة هل هي لفظية أو قياسية على قولين حكاهما الشافعي في الأمر وظاهر كلامه ترجيح انه قياس ونقله الهندي في النهاية عن الأكثرين قال الصيرفي ذهبت طائفة جلة سيدهم الشافعي إلى أن هذا هو القياس الجلي وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع انه الصحيح وجرى عليه القفال الشاشي فذكره في أنواع القياس قال سليم الرازي الشافعي يومئ إلى أنه قياس جلي لا يجوز ورود الشرع بخلافه قال وذهب المتكلمون بأسرهم الأشعرية والمعتزلة إلى أنه مستفاد من النطق وليس بقياس قال الشيخ أبو حامد الأسفرائيني الصحيح من المذاهب انه جار مجرى النطق لا مجرى دلالة النص لكن دلالته لفظية ثم اختلفوا فقيل إن المنع من التأفيف منقول بالعرف عن موضوعه اللغوي إلى المنع من أنواع الأذى وقيل إنه فهم بالسياق والقرائن وعليه المحققون من أهل هذا القول كالغزالي وابن القشيري والآمدي وابن الحاجب والدلالة عندهم مجازية من باب اطلاق الأخص وإرادة الأعم قال الماوردي والجمهور على أن دلالته من جهة اللغة لا من القياس قال القاضي
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 178
مساهمون: الشوكاني
ص١٧٨