الذي يفيد معنى سواء أفاد معه إفادة مرجوحة أو لم يفد ولهذا يخرج النص فان إفادته ظاهرة بنفسه ونقل إمام الحرمين ان الشافعي كان يسمي الظاهر نصا
وقيل هو في الاصطلاح ما دل ظنية أم بالوضع كالأسد للسبع المفترس أو بالعرف كالغائط للخارج المستقذر إذ غلب فيه بعد ان كان في الأصل للمكان المطمئن من الأرض
والتأويل مشتق من آل يؤول إذا رجع تقول آل الأمر إلى كذا أي رجع إليه ومآل الأمر مرجعه وقال النضر بن شميل انه مأخوذ من الإيالة وهي السياسة يقال لفلان علينا إيالة وفلان إيل علينا أي سائس فكان المؤول بالتأويل كالمتحكم على الكلام المتصرف فيه وقال ابن فارس في فقه العربية التأويل آخر الأمر وعاقبته يقال مال هذا الأمر مصيره واشتقاق الكلمة من الأول وهو العاقبة والمصير
واصطلاحا صرف الكلام عن ظاهره إلى معنى يحتمله وفي الاصطلاح حمل الظاهر على المحتمل المرجوح وهذا يتناول التأويل الصحيح والفاسد فان أردت تعريف التأويل الصحيح زدت في الحد بدليل يصيره راجحا لأنه بلا دليل أو مع دليل مرجوح أو مساو فاسد قال ابن برهان وهذا الباب أنفع كتب الأصول وآجلها ولم يزل الزال الا بالتأويل
الفاسد واما ابن السمعاني فأنكر على إمام الحرمين ادخاله لهذا الباب في أصول الفقه وقال ليس هذا من أصل الفقه في شيء انما هو كلام يورد في الخلافيات
واعلم أن الظاهر دليل شرعي يجب اتباعه والعمل به بدليل اجماع الصحابة على العمل بظواهر الألفاظ وإذا عرفت معنى الظاهر فاعلم أن النص ينقسم إلى قسمين أحدهما يقبل التأويل وهو قسم من النص مرادف للظاهر والقسم الثاني لا يقبله وهو النص الصريح وسيأتي الكلام على هذا في الباب الذي بعد هذا الباب
الفصل الثاني
فيما بدخله التأويل وهو قسمان
أحدهما أغلب الفروع ولا خلاف في ذلك والثاني الأصول كالعقائد وأصول الديانات وصفات الباري عز وجل وقد اختلفوا في هذا القسم على ثلاثة مذاهب الأول انه لا مدخل للتأويل فيها بل يجري على ظاهرها ولا يؤول شيء منها وهذا قول المشبهة والثاني ان لها تأويلا ولكنا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن التشبيه والتعطيل لقوله تعالى « وما يعلم تأويله إلا الله » قال ابن برهان وهذا قول السلف قلت وهذا هو الطريقة الواضحة والمنهج المصحوب بالسلامة عن الوقوع في مهاوي التأويل لما لا يعلم تأويله عدم تأويله الا الله وكفى بالسلف الصالح قدوة لمن أراد الاقتداء وأسوة لمن أحب التأسي على تقدير عدم ورود الدليل القاضي بالمنع من ذلك فكيف وهو قائم موجود في الكتاب والسنة والمذهب الثالث انها مؤولة قال ابن برهان والأول من هذه المذاهب باطل والآخران منقولان عن الصحابة ونقل هذا المذهب الثالث عن علي وابن مسعود وابن عباس وأم سلمة قال أبو عمرو بن الصلاح الناس في هذه الأشياء الموهمة للجهة ونحوها فرق ثلاث ففرقه تؤول وفرقة تشبه وثالثة ترى انه لم يطلق الشارع مثل هذه اللفظة الا واطلاقه سائغ وحسن قبولها مطلقة كما قال مع التصريح بالتقديس والتنزيه والتبري من التحديد والتشبيه قال وعلى هذه الطريقة مضى صدر الأمة وسادتها واختارها أئمة الفقهاء وقادتها واليها دعا أئمة الحديث واعلامه ولا أحد من المتكلمين يصدف عنها ويأباها وافصح الغزالي في غير موضع بهجر
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 176
مساهمون: الشوكاني
ص١٧٦