ولا بالإثبات واختلف كلام فخر الدين الرازي فوافق الجمهور في المحصول واختار مذهب الحنفية في تفسيره والحق ما ذهب إليه الجمهور ودعوى الواسطة مردودة على أنها لو كان لها وجه لكان مثل ذلك لازما في الاستثناء من الإثبات واللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله وأيضا نقل الأئمة عن اللغة يخالف ما قالوه ويرد عليه ولو كان ما ذهبوا إليه صحيحا لم تكن كلمة التوحيد توحيدا فإن قولنا لا إله إلا الله هو استثناء من نفي وقد ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال أمرت أن أقاتل الناس
حتى يقولوا لا إله إلا الله وقد استدلت الحنفية بأن الاستثناء هو مأخوذ من قولك ثنيت الشيء إذا صرفته عن وجهه فإذا قلت لا عالم الا زيد فههنا أمران أحدهما هذا الحكم والثاني نفس العلم فقولك الا زيد يحتمل ان يكون عائدا إلى الأول وحينئذ لا يلزم تحقق الثبوت إذ الاستثناء انما يزيل الحكم بالعلم فيبقى المستثنى مسكوتا عنه غير محكوم عليه بنفي ولا اثبات ويحتمل ان يكون عائدا إلى الثاني وحينئذ يلزم تحقق الثبوت لأن ارتفاع العدم يحصل الوجود لا محالة لكون عود الاستثناء إلى الأول أولى إذ الألفاظ وضعت دالة على الأحكام الذهبية لا على الأعيان الخارجية فثبت ان عود الاستثناء إلى الأول أولى على وحكى عنهم الرازي لا في المحصول انهم احتجوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم لا نكاح الا بولي ولا صلاة الا بطهور ولا يلزم منه تحقق النكاح عند حضور الولي ولا تحقق الصلاة عند حضور الوضوء بل يدل على عدم صحتها عند عدم هذين الشرطين هكذا حكى عنهم في المحصول ولم يتعرض للرد عليهم ويجاب عن الأول بمنع ما قالوه ولو سلم انه لا يستفاد الاثبات من الوضع اللغوي لكان مستفادا من الوضع الشرعي وعن الثاني بأنه ان كان النزاع فيما يفيد ذلك باعتبار الوضع الشرعي فلا بد من اعتبار تمام ما اشترط الشرع في النكاح والصلاة وان كان النزاع فيما يفيد ذلك باعتبار الوضع اللغوي فدخول الباء في المستثنى قد أفاد معنى غير المعنى الذي مع عدمها فان دخولها ليس بمخرج مما قبله لأنا لم نقل لا نكاح الا الولي ولا صلاة الا الطهور بل قلنا الا بولي والا بطهور فلا بد من تقدير متعلق هو المستثنى منه فيكون التقدير لا نكاح يثبت بوجه الا مقترنا بولي أو نحو ذلك من التقديرات قال ابن دقيق العيد في شرح الالمام وكل هذا عندي تشغيب ومراوغات جدلية والشرع
خاطب الناس بهذه الكلمة يعني كلمة الشهادة وأمرهم بها لاثبات مقصود التوحيد وحصل الفهم منهم بذلك والقبول له من غير زيادة ولا احتياج إلى أمر آخر ولو كان وضع اللفظ لا يفيد التوحيد لكان أهم المهمات تعليم اللفظ الذي يقتضيه لأنه المقصود الأعظم
المسألة العاشرة اختلفوا في الاستثناء الوارد بعد جمل متعاطفة هل يعود إلى الجميع أو إلى الأخيرة كقوله سبحانه « والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق » إلى قوله « إلا من تاب » فذهب الشافعي وأصحابه إلى أنه يعود إلى جميعها ما لم يخصه دليل وقد نسب ابن القصار هذا المذهب إلى مالك قال الزركشي وهو الظاهر من مذاهب أصحاب مالك ونسبه صاحب المصادر إلى القاضي عبد الجبار وحكاه القاضي أبو بكر عن الحنابلة قال ونقلوه عن نص احمد فإنه قال في قوله صلى الله عليه وآله وسلم لا يؤمن الرجل في سلطانه ولا يقعد على تكرمته الا بإذنه قال أرجو ان يكون الاستثناء على كله وذهب أبو حنيفة وجمهور أصحابه إلى عوده إلى الجملة الأخيرة إلا أن يقوم دليل على التصميم واختاره الفخر الرازي وقال الإصفهاني في القواعد انه الأشبه ونقله صاحب المعتمد عن الظاهرية وحكي عن أبي عبد الله البصري وأبي الحسن الكرخي واليه ذهب أبو علي الفارسي كما حكاه عنه الكيا الطبري وابن برهان وذهب جماعة إلى الوقف حكاه صاحب المحصول عن القاضي أبي بكر والمرتضى
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 150
مساهمون: الشوكاني
ص١٥٠