الاستغراق جاءوا بلفظ كل وجميع وما يفيد مفادهما ولو لم يكونا للاستغراق لكان استعمالهم لهما عند إرادتهم للاستغراق عبثا قال القاضي عبد الوهاب ليس بعد كل في كلام العرب كلمة أعم منها ولا فرق بين ان المؤكد به عام وهي تشمل العقلاء وغيرهم والمذكر والمؤنث والمفرد المثنى والمجموع فلذلك كانت أقوى صيغ العموم وتكون في الجميع بلفظ واحد تقول كل النساء وكل القوم وكل رجل وكل امرأة قال سيبويه معنى قولهم كل رجل كل رجال فأقاموا رجلا مقام رجال لأن رجلا شائع في الجنس والرجال للجنس ولا يؤكد بها المثنى استغناء عنمه بكل ولا يؤكد بها الا ذو اجزاء ولا يقال جاء زيد كله انتهى وقد ذكر علماء النحو والبيان الفرق بين ان يتقدم النفي على كل وبين ان تتقدم هي عليه فإذا تقدمت على حرف النفي نحو كل القوم لم يقم أفادت التنصيص على انتفاء قيام كل فرد فرد وان تقدم النفي عليها مثل لم يقم كل القوم لم تدل الا على نفي المجموع وذلك يصدق بانتفاء القيام عن بعضهم ويسمى الأول عموم السلب والثاني سلب العموم من جهة ان الأول يحكم فيه بالسلب عن
كل فرد والثاني لم يفد العموم في حق كل أحد انما أفاد نفي الحكم عن بعضهم قال الفراء وهذا شيء اختصت به كل من بين سائر صيغ العموم قال وهذه القاعدة متفق عليها عند أرباب البيان واصلها قوله صلى الله عليه وآله وسلم كل ذلك لم يكن لما قال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت انتهى وإذا عرفت هذا في معنى كل فقد تقرران لفظ جميع هو بمعنى كل الافراد وهو معنى قولهم انها للعموم الإحاطي وقيل يفترقان من جهة كون دلالة كل على فرد بطريق النصوصية بخلاف جميع وفرقت الحنفية بينهما بأن كل تعم الأشياء على سبيل الانفراد وجميع تعمها على سبيل الاجتماع وقد روي أن الزجاج حكى هذا الفرق عن المبرد
الفرع الرابع لفظ أي فإنها من جملة صيغ العموم إذا كانت شرطية أو استفهامية كقوله تعالى « أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى » وقوله « أيكم يأتيني بعرشها » وقد ذكرها في صيغ العموم الأستاذ أبو منصور البغدادي والشيخ أبو إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين الجويني وابن الصباغ وسليم الرازي والقاضيان أبو بكر وعبد الوهاب والرازي والآمدي والصفي الهندي وغيرهم قالوا وتصلح للعاقل وغيره قال القاضي عبد الوهاب في التلخيص إلا أنها تتناول على جهة الانفراد دون الاستغراق ولهذا إذا قلت أي الرجلين عندك لم يجب الا بذكر واحد قال ابن السمعاني في القواطع وأما كلمة أي فقيل كالنكرة لأنها تصحبها لفظا ومعنى تقول أي رجل فعل هذا وأي دار دخل قال الله تعالى « أيكم يأتيني بعرشها » وهو في المعنى نكرة لأن المراد بها واحد منهم انتهى قال الزركشي في البحر وحاصل كلامهم انها للاستغراق البدلي والشمولي لكن ظاهر كلام الشيخ أبي إسحاق انها للعموم الشمولي وتوسع القرافي فعدى عمومها إلى الموصولة والموصوفة في النداء ومنهم من لم يعده كالغزالي وابن القشيري لأجل قول النجاة انها بمعنى بعض إذا أضيفت إلى معرفة وقول الفقهاء أي وقت دخلت الدار فأنت طالق لا يتكرر الطلاق بتكرار الدخول كما في كلما والحق ان عدم التكرار لا ينافي العموم وكون مدلولها أحد الشيئين قدر مشترك بينها وبين بقية الصيغ في الاستفهام وقال صاحب اللباب من الحنفية وأبو زيد في التقويم كلمة أي نكرة لا تقتضي العموم بنفسها الا بقرينة الا ترى إلى قوله « أيكم يأتيني بعرشها » ولم يقل يأتوني ولو قال لغيره أي عبيدي ضربته فهو حر فضربهم لم يعتق
الا واحد فان وصفها بصفة عامة كانت للعموم بقوله أي عبيدي ضربك فهو حر فضربوه جميعا عتقوا لعموم فعل الضرب وصرح الكيا الطبري بأنها ليست من صيغ العموم فقال واما أي فهي اسم مفرد يتناول جزءا من الجملة المضافة
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 118
مساهمون: الشوكاني
ص١١٨