ما يغنيك ، والظاهر منا البارز بنفسه المعلوم بحده ، فقد جمعنا الاسم ولم يجمعنا المعنى .
وأما ( الباطن ) : فليس على معنى الاستبطان للأشياء بأن يغور فيها ، ولكن
ذلك منه على استبطانه للأشياء علما وحفظا وتدبيرا ، كقول القائل : بطنته بمعنى :
( خبرته ) وعلمت مكنون سره ، والباطن منا الغاير في الشئ المستتر فيه ، فقد
جمعنا الاسم واختلف المعنى .
قال : وهكذا جميع الأسماء وإن كنا لم نسمها كلها .
وكان المأمون لما أراد أن يستخلف الرضا ، جمع بني هاشم فقال : إني
أريد أن استعمل الرضا عليه السلام على هذا الأمر من بعدي .
فحسده بنو هاشم وقالوا : أتولي رجلا جاهلا ، ليس له بصر بتدبير الخلافة ؟
فابعث إليه يأتنا فترى من جهله ما تستدل به !
فبعث إليه فأتاه فقال له بنو هاشم : يا أبا الحسن إصعد المنبر وانصب لنا
علما نعبد الله عليه ، فصعد المنبر فقعد مليا لا يتكلم مطرقا ثم انتفض انتفاضة فاستوى
قائما وحمد الله تعالى وأثنى عليه ، وصلى على نبيه وأهل بيته ، ثم قال :
أول عبادة الله معرفته ، وأصل معرفة الله توحيده ، ونظام توحيده نفي
الصفات عنه ، ( 1 ) بشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق ، وشهادة كل
مخلوق أن له خالقا ليس بصفة ولا موصوف ، وشهادة كل صفة وموصوف
بالاقتران ، وشهادة الاقتران بالحدث ، وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع
من الحدث ، ( 2 ) فليس الله عرف من عرف ذاته بالتشبيه ، ولا إياه وحد من
هامش
( 1 ) ( أول عبادة الله ) أي : أشرفها وأقدمها رتبة ( معرفته ) تعالى لأن الطاعة
والعبادة تأتي بعد المعرفة فهي متأخرة رتبة عنها ولا تقبل عبادة بدون المعرفة فهي
دونها في الشرف أيضا ( وأصل معرفة الله توحيده ) أي تنزيهه عن التركيب والشركة
( ونظام التوحيد ) أي تمامه وكماله ( نفي الصفات الزائدة عنه ) فلا يتم التوحيد إلا بالقول
بأن صفاته تعالى عين ذاته
( 2 ) ثم إنه عليه السلام شرع بإقامة الدليل على نفي الصفات الزائدة على الذات
فقال : ( لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق ) وذلك أن الصفة لا قوام لها إلا بالموصوف فهي محتاجة إليه لا تنفك عنه . وبها كمال الموصوف فهو محتاج إليها .
والحاجة دليل الإمكان ( وشهادة كل مخلوق أن له خالقا ) غنيا بذاته ( ليس بصفة )
حتى يفتقر إلى الموصوف ليقوم به ذاته ( ولا موصوف ) حتى يحتاج إلى الصفة لكي
يكمل بها ذاته ( وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران ) لما عرفت من حاجة بعضها
إلى الآخر وشهادة الاقتران بالحدث . . الخ توضيح ذلك : هو أن الصفة والموصوف أما
أن يكونا قديمين . أو يكون أحدهما قديما والآخر حادثا أو يكونا حادثين .
ولا رابع لهذا الحصر الثلاثي .
والأول باطل لما يلزم منه القول بتعدد القدماء وقد ثبت بطلانه .
والثاني يبطله الاقتران والحاجة والافتقار لما ألمحنا إليه آنفا وحينئذ يثبت القول
الثالث وهو المطلوب .