أنفسا ، واطمأنوا للفتنة جاشا ، وأبشروا بسيف صارم ، وسطوة معتد غاشم ، وبهرج
شامل ، واستبداد من الظالمين : يدع فيئكم زهيدا ، وجمعكم حصيدا ، فيا حسرة
لكم ! وأنى بكم وقد عميت عليكم ! أنلزمكموها وأنتم لها كارهون .
قال سويد بن غفلة فأعادت النساء : قولها عليها السلام على رجالهن
فجاء إليها : قوم من المهاجرين والأنصار متعذرين ، وقالوا : يا سيدة النساء ، لو
كان أبو الحسن ذكر لنا هذا لأمر قبل أن يبرم العهد ، ويحكم العقد ، لما عدلنا
عنه إلى غيره ، فقالت عليها السلام : إليكم عني فلا عذر بعد تعذير كم ، ولا أمر بعد تقصيركم
احتجاج سلمان الفارسي رضي الله عنه ( 1 ) في خطبة خطبها بعد وفاة
رسول الله صلى الله عليه وآله على القوم لما تركوا أمير المؤمنين ( ع ) واختاروا غيره ونبذوا
العهد المأخوذ عليهم وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون .
عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال : خطب الناس سلمان الفارسي
هامش
( 1 ) أبو عبد الله سلمان الفارسي أو المحمدي ويلقب أيضا بسلمان الخير أصله
من رامهرمز وقيل من أصفهان من بلدة يقال لها : جى .
كان من أوصياء عيسى عليه السلام ، وهذا هو السبب الذي جعل أمير المؤمنين
عليه السلام يحضر عنده بالمدائن حين حضرته الوفاة ، ويتولى تغسيله بيده الشريفة ، إذ
أن الوصي لا يغسله إلا وصي مثله .
هرب سلمان عليه السلام من فارس لأن أهلها كانوا يعبدون النار وصادف ذلك
سفر قافلة إلى الشام فذهب معها ، ونزل بحمص وكان يجتمع بالقسس والرهبان ويجادلهم
في الدين برهة من الزمن .
ثم صحب جماعة من التجار وسار معهم قاصدا مكة المكرمة ليحظى بالتشرف بحضرة
النبي الأمي وصحبته ، وكان سلمان عليه السلام يعلم أنه سيبعث من هناك لأنه كما مر كان
من أوصياء عيسى " ع " .
واعتدى عليه هؤلاء الذين سار بصحبتهم وأساءوا الصحبة فانتهبوا ما كان عنده
وأسروه ثم باعوه من يهودي في المدينة على أنه رق .
وبقي عند ذلك اليهودي إلى أن هاجر النبي " ص " إلى المدينة وكان سلمان " ع "
كاتب ذلك اليهودي على أن يدفع له مبلغا من المال ليحرره من الرق ، فأعانه رسول
الله " ص " على ذلك فتحرر .
ولما زحف الجيش بقيادة أبي سفيان - لقتل النبي " ص " وأصحابه وهدم المدينة
على أهلها ، في غزوة الأحزاب - أشار سلمان بحفر الخندق ، فقال أبو سفيان لما رآه
هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها .
وكان إذا قيل له ابن من أنت ؟ يقول أنا سلمان بن الإسلام ، أنا من بني آدم .
وقد روى عن رسول الله " ص " من وجوه أنه قال : لو كان الدين في الثريا
لناله سلمان ، وفي رواية أخرى لناله رجل من فارس
وروى عنه " ص " أنه قال : " إن الله يحب من أصحابي أربعة - فذكره منهم "
وقال " ص " : " ثلاثة تشتاق إليهم الحور العين : على ، وسلمان ، وعمار "
وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله " ص " : " أنا سابق ولد آدم ، وسلمان
سابق أهل فارس " .
وعنه أيضا : سمعت رسول الله " ص " يقول : " إن الجنة تشتاق إلى أربعة : على
وسلمان ، وعمار ، والمقداد " .
ودخل ذات يوم مجلس رسول الله " ص " فوجد وجهاء قريش فتخطاهم وجلس في
صدر المجلس ، فغلى الدم في عروقهم ، وقال له بعضهم : " من أنت حتى تتخطانا ؟ " وقال
له آخر : " ما حسبك ونسبك ؟ ! " .
قال سلمان أنا ابن الإسلام ، كنت عبدا فأعتقني الله بمحمد " ص " ووضيعا
فرفعني بمحمد " ص " وفقيرا فأغناني بمحمد " ص " فهذا حسبي ونسبي .
فقال رسول الله " ص " : صدق سلمان ، صدق سلمان ، من أراد أن ينظر إلى رجل
نور الله قلبه بالإيمان ، فلينظر إلى سلمان .
وتنافس المهاجرون والأنصار كل يقول : " سلمان منا " فقال رسول الله " ص "
" بل سلمان منا أهل البيت " .
وروى عن أبي الأسود الدؤلي قال : كنا عند على ذات يوم فقالوا : يا أمير
المؤمنين " ع " حدثنا عن سلمان " .
قال " ع " : من لكم بمثل لقمان الحكيم ، ذلك امرؤ منا أهل البيت أدرك العلم الأول
والعلم الآخر ، وقرأ الكتاب الأول والكتاب الآخر ، بحر لا ينزف .
ولي المدائن في عهد عمر بن الخطاب ، وكان يسف الخوص وهو أمير عليها ويبيعه
ويأكل منه ، ويقول : لا أحب أن آكل إلا من عمل يدي .
وتوفي في المدائن سنة 36 ، وقيل 37 ، وقيل بل 33 .
ولما حضرته الوفاة بكى فقيل ما يبكيك ؟ قال : عهد عهده إلينا رسول الله " ص "
قال : " ليكن بلاغ أحدكم كزاد الراكب " فلما مات نظروا في بيته فلم يجدوا إلا اكافا ؟ ؟ ؟
ووطاء ومتاعا ، قوم نحوا من عشرين درهما .
راجع صفة الصفوة ج 1 ص 210 تهذيب التهذيب ج 4 ص 137 أسد الغابة ج 2
ص 328 تنقيح المقال ج 2 ص 45 وكتاب نفس الرحمان في أخبار سلمان والمجلد الرابع
من ابن أبي الحديد وكتاب مع علماء النجف الأشرف .