- 23 -
كان هناك وميض نار تحت الرماد وذلك أن ما كانت بين بني أمية وبين بني هاشم
طوال سنين ، من العصبية والمنافرة والعناد ، صارت خفيفة ضعيفة بظهور الإسلام
وغلبته ، ودخول أكابر سلالة أمية وشيوخهم طوعا وكرها في الإسلام ، وقبولهم رغبة
أو رهبة ما كان من طلبته ، بل صارت في الظاهر دارسة معدومة ، وتبدل عنوان " القومية "
والتفاخر بها بعنوان " الإسلام " و " المؤمن " ، أولا ، وبعنوان " المهاجر "
و " الأنصار " ثانيا ، متداولة معمولة .
كان الأمر على ذاك ، حتى انتخب عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية
للخلافة ، وصارت الخلافة لبني أمية وكان عثمان ( رض ) يحب بني أمية ، فقربهم
إليه ، وقد مهم لديه ، وحمل بني أمية وبني أبي معيط 1 ( كما تفرس عمر ) على
رقاب الناس 2 ، وآثرهم بالإفياء والأخماس فأحاطه القوم عليه من كل جانب ، ولازموه
لزوم عضو لازب ، فكان ( رض ) لشدة حبة لهم وقوته ، ولضعفه الناشئ عن واهنة
شيخوخته ، طوع رغبتهم ، وتحت سلطتهم ، بل وفي قبضتهم .
قال علي ( على ما نقله الطبري وغيره ، وسيجئ في الكتاب ) في ما قاله له : " أما
رضيت من مروان ولا رضى منك إلا بتحرفك عن دينك وعن
عقلك ! مثل جمل الضعينة يقاد حيث يسار به . . . "
فركبت بنو أمية رقاب الجمهور ، وسلطوا من كل ناحية على الأمور ، وحينئذ
نبض فيهم عرق الحمية الجاهلية وجهضتهم العصبية الأموية ، وبرزت ما كانت
هامش
1 - أبو معيط ( على زنة رجيل ) ابن أبي عمرو بن أمية ، من زوجته التي كانت زوجة
أبيه ، كما قال أبو الفرج الأصفهاني الأموي في كتابه " الأغاني " وحكيناه عنه في الكتاب
كما سيجئ .
2 - نقلنا قول عمر ( رض ) في تفرسه في الصفحة ال 417 من الكتاب كما سترى ، عن
ابن أبي الحديد وفي الصفحة ال 418 منه ، حكاية عن كتاب " الأمالي لثعلب مع تفاوت
بين المنقولين ، وتفاوتهما في المفاد والمراد .