والناظر في السنة يجدها في كثرتها الغمرة تدور على مثل تلك الوقائع والحوادث
والأسئلة .
وقد قرر علماء النفس ان ارتباط المعلومات بأمور مقارنة لها في الفكر ، تجعلها أبقى
على الزمن وأثبت في النفس ، فلا بدع ان يكون ما ذكرنا داعية من دواعي حفظ الصحابة
لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على حين انهم هم المشاهدون لتلك الوقائع والحوادث
المشافهون بخطاب الحق ، والمواجهون بخطاب الحق ، المواجهون بكلام سيد الخلق في هذه
المناسبات الملائمة والأسباب القيمة التي تجعل نفوسهم مسيشرقة لقضاء الله فيها ، متعطشة
إلى حديث رسوله عنها ، فينزل الكلام على القلوب ، وهي متشوقة كما ينزل الغيث على
الأرض وهي متعطشة تنهله بلهف ، وتأخذه بشغف ، وتمسكه وتحرص عليه بيقظة ، وتعتز به
وتعتد عن حقيقة ، وتنتفع به وتنفع بل تهتز به وتربو ، وتنبت من كل زوج بهيج .
العامل التاسع :
اقتران القرآن دائما بالاعجاز ، واقتران بعض الأحاديث النبوية بأمور خارقة للعادة
تروع النفس ، وتشوق الناظر وتهول السامع وانما اعتبرنا ذلك الاعجاز وخرق العادة من
عوامل حفظ الصحابة ، لأنه الشأن فيما يخرج على نواميس الكون وقوانينه العامة انه يتقرر
في حافظة من شاهدة ، وانه يتركز في فؤاد كل من عينه فرا كان أو أمة ، حتى لقد يتخذ
مبدأ تؤرخ بحدوقه الأيام والسنون ، وتقاس بوجوه الاعمار .
اما القرآن الكريم فاعجازه سار فيه سريان الماء في العود الأخضر ، لا تكاد تخلو
سورة ولا آية منه ، وأعرف الناس بوجوه اعجازه وأعظمهم ذوقا لأسرار بلاغته هم الأصحاب
محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم يصدرون في هذه المعرفة وهذا الذوق عن فطنتهم العربية الصافية وسليقتهم
السليمة السامية ، ومن هذا كان القرآن حياتهم الصحيحة به يقومون ويقعدون وينامون
ويستيقظون ويعيشون ويتعاملون ، ويلتذون ويتعبدون وهذا هو معنى كونه روحا في قول الله
سبحانه : ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا )
وليست هناك طائفة في التاريخ تمثل فيها القرآن روحا كما تمثل في هذه الطبقة العليا
الكريمة طبقة الصحابة الذين وهبوه حياتهم فوهبهم الحياة ، وطبعهم طبقة جديدة حتى
الإصابة — صفحة 37
مساهمون: ابن حجر العسقلاني
ص٣٧