كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نقتل آباءنا ، وأبناءنا وإخواننا ،
وأعمامنا ، ما يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما ومضيا على اللقم ( 1 ) وصبرا على
مضض الألم ، وجد في جهاد العدو . . .
فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت ( 2 ) ، وأنزل علينا النصر ، حتى
استقر الإسلام ملقيا جرانه ( 3 ) ، ومتبوءا أوطانه .
ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود ، ولا اخضر للإيمان .
عود . . . " ( 4 ) .
وقال عليه السلام مرة يصفهم ويذكر بعظيم منزلتهم ، ويأسف على فقدهم :
" لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله ، فما رأى أحدا يشبههم منكم !
لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا وقد باتوا سجدا وقياما ، يراوحون بين
جباههم وخدودهم ، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم .
كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم . إذا ذكر الله هملت
أعينهم حتى تبل جيوبهم ، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف ، خوفا
من العقاب ، ورجاء للثواب " ( 5 ) .
وقال عليه السلام وهو يتحرق شوقا إليهم : " أين إخواني الذين ركبوا
الطريق ومضوا على الحق ؟
أين عمار ؟ وأين ابن التيهان ( 6 ) ؟
هامش
( 1 ) اللقم : معظم الطريق أو جادته .
( 2 ) الكبت : الإذلال .
( 3 ) إلقاء الجران : كناية عن التمكن .
( 4 ) نهج البلاغة بتحقيق صبحي الصالح : 91 - 92 .
( 5 ) المصدر : 143 - 97 - الفقرة الأخيرة .
( 6 ) هو الصحابي الجليل أبو الهيثم مالك بن التيهان الأنصاري : كان ينبذ الأصنام قبل الإسلام ، ويقول
بالتوحيد ، وهو أول من أسلم من الأنصار بمكة ، وأحد الستة الذين لقوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ، وأحد النقباء الاثني عشر ، وأحد السبعين ، شهد بدرا والمشاهد كلها ، وكان رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم يبعثه خارصا - يقدر ما على النخل من تمر - فلما كان عهد أبي بكر بعثه
فأبى ، وقال : إني كنت إذا خرصت لرسول الله فرجعت ، دعا لي .
وكان مع علي عليه السلام يوم الجمل وله فيها أرجاز ذكرناها في حديث الدار وإثبات الوصية ،
وشهد معه صفين أيضا ، وفيها استشهد رضوان الله عليه ، فقالت أمينة الأنصارية ترثيه :
منع اليوم أن أذوق رقادا * مالك إذ مضى ، وكان عمادا
يا أبا الهيثم بن تيهان إني * صرت للهم معدنا ووسادا
وبهذا يثبت بطلان ما زعمه الذهبي وابن سعد في إصرارهما على قول الواقدي : إن وفاته كانت سنة
20 هجرية في خلافة عمر بن الخطاب . ومما يشهد ببطلان هذا الزعم أيضا ، ما أثبته أهل التاريخ من
مواقف مشهورة لأبي الهيثم بن التيهان أيام البيعة لأمير المؤمنين بالخلافة ، ويوم بدا نقض البيعة من الزبير
وطلحة ومروان والوليد بن العقبة ، ويوم الجمل ، ويوم صفين إذ كان يسوي صفوف الجيش ويخطب بهم
يحثهم على الجهاد بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام : انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ( 1 : 220
و 2 : 51 و 4 : 8 و 5 : 190 و 7 : 36 ، 39 و 20 : 19 ) وهو الذي اختاره ابن حجر فقال : وقيل قتل
في صفين وهو الأكثر . ( الإصابة 7 : 209 / 1188 ) . وانظر الأبيات المذكورة في رثائه في كتاب وقعة
صفين : 365 .