والمثال امامنا واضح في عالم الناسلات والجينات . . كلمات من كلمات الله
المبثوثة في الكون على اتساعه . . تتناغم حروف ثلاثة ( ثلاثة قواعد أمينية )
لتكون كلمة . . وتحت الكلمة أسرار وأسرار . . صفات وصفات . . صفات
جسدية وصفات نفسية وصفات سلوكية . . وتحت الكلمة معامل ومعامل لا
تتسع لها معامل الأرض بأكملها ( 1 ) . . ثم تنتقل الصفات وتنتقل الكلمات عبر
الحيوانات المنوية وعبر البويضات من الآباء والأمهات إلى الأبناء والبنات جيلا
بعد جيل وأمة بعد أمة . . تحفظ الجنس الانساني على ظهر الأرض . . وتخرج
من جاء أوان ظهوره إلى عالم الظهور وتخفي من أمرت بستره في عالم
الكمون . . حتى يحين وقت ظهوره وأوان بروزه . .
والانسان هو الانسان من آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ومع ذلك
فالفرق بين الانسان والانسان لا يمكن حصره . . لا في الصفات الجسمية ولا
في القدرات العقلية ولا في المدارك الفكرية ولا في السمات الخلقية . . انه
هامش
( 1 ) ويروى عن الإمام علي قوله في هذا المعنى : تحسب أنك جسم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر .
* إن هذه الأحاديث الشريفة وغيرها قد توهم الجبر وأن ليس للانسان أي إرادة في عمل الخير أو الشر
والصحيح غير ذلك . فقد قال تعالى " ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها . قد أفلح من زكاها وقد
خاب من دساها " . . وقال تعالى " وهديناه النجدين " أي الطريقين طريق الخير والشر وقال سبحانه
وتعالى " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " " كل نفس بما كسبت رهينة " " ولا تزر وازرة وزر
أخرى " .
وذلك لا يناقض أن ما سيفعله الانسان مسجل مكتوب قبل ولادته بل قبل أن يخلق الكون . . لان ذلك كله
في علم الله سبحانه وتعالى . . وعلم الله محيط شامل بما كان وبما سيكون ومنذ الأزل والى الأبد . .
وشاءت قدرته تعالى أن تعطي الانسان قدرا محدودا من الاختيار والإرادة يناط بهما الثواب والعقاب . .
وفي جسم الانسان نفسه دليل على ذلك . فعضلاته وجهازه العصبي ينقسم إلى قسمين جزء إرادي يتمثل
في العضلات الإرادية والأعصاب الإرادية التي تتحكم في الحركات الظاهرة لليدين والرجلين والوجه بما
يشمله . . وقسم غير إرادي يتمثل في عضلة القلب التي تستمر في النبض منذ كان الانسان مضغة في
الأسبوع الثالث من عمر الجنين حتى الوفاة دون توقف في ليل أو نهار . . ولو توقف لانتهت حياة
الانسان . . ويتمثل كذلك في عضلات الجهاز الهضمي من البلعوم إلى المستقيم كما يتمثل في الجهاز
التنفسي وعضلاته . . والجهاز الدوري وعضلاته والجهاز البولي وعضلاته ما عدا عضلات الاخراج
الإرادية . .
ولا تناقض في ذلك فالجزء الإرادي مكمل للجزء غير الإرادي ولو دخلت في عمل القلب أو الرئتين
أو الجهاز الدوري أو الهضمي لأفسدته أيما إفساد . وكل له مجاله .