* 3 - انحراف جديد :
كانت ثمود أمة من أمم الانحراف ، والانحراف لا بد وأن يترك تحت رماده
بذور يصلح زرعها على أرض معسكر الانحراف . الذي يستلم الراية فيما بعد .
وهذه البذور تظل تحت الأرض لفترة حتى يأتي من يتعهدها حتى تكبر وتصبح
شجرة من الدنس في نهاية الطريق . وإذا كانت ثمود قد تعهدت شجرة ( ما أنت
إلا بشر مثلنا ) التي قام كفار قوم نوح بتسليمها لكفار قوم هود ، فإن ثمود كان لها
السبق في إضافة معنى آخر يقبل بشرية الرسول بشروط ، ولقد اتسعت هذه
الشروط فيما بعد وكان في اتساعها كارثة .
فعندما حاصر صالح عليه السلام ثمود بحججه الدامغة ، ولم تجد ثمود فيه
إلا كل الخصال الحميدة ، هرول إليه الضعاف واعتنقوا دعوته ، وأمام هذا المد
- وإن كان ضعيفا - اهتز الذين يحرصون على الحياة ، وأصبحت أوراق فقه
التحقير والانتقاص من البشر الذين يحملون رسالات الله لا تجدي . بعد أن
أحرزت الدعوة تقدما لها في ديار الضعاف . لهذا قام كفار ثمود لتطوير فقه التحقير
والانتقاص بما يسحب البساط من تحت أقدام النبوة فقالوا كما أخبر سبحانه :
( أبشر منا واحد نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر ) أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو
كذاب أشر ) ( 20 ) لقد نصبوا شباك الصد عن سبيل الله ، شباك صنعت من خيوط
الحسد ، وقالوا : " لقد خبنا وخسرنا إن سلمنا قيادتنا لواحد منا " ( 21 ) فلو كان
الوحي حقا ، وجاز أن ينزل على البشر لنزل على البشر جميعا ( 22 ) باختصار بثت
أبواق ثمود ثقافة جديدة تقول للعامة والخاصة أن إثبات الرسالة لصالح وحده فيه
انتقاص لكم ، لأنكم تماثلونه في البشرية ، فإذا جاز أن يدعي الرسالة ، فمن
حقكم أن تدعوا الانتفاخ بالروح القدس . وهذا البيان لن يصب في النهاية إلا في
سلة الجبابرة . لأن الضعاف لن يجرؤ واحد منهم أن يدعي الانتفاخ أو يدعي
الرسالة . لأنه لا يملك أن يقدم البينة عليها ، فالبيان بالنسبة للضعفاء تحصين لهم
في مواجهة صالح عليه السلام . أما بالنسبة للجبابرة ، فإنهم إذا ادعوا الرسالة
هامش
( 20 ) سورة القمر ، الآيتان : 24 - 25 .
( 21 ) ابن كثير : 264 / 4 ، البغوي : 135 / 8 .
( 22 ) الميزان .