أجري إلا على رب العالمين * أتتركون في ما ها هنا آمنين * في جنات وعيون *
وزروع ونخل طلعها هضيم * وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين * فاتقوا الله
وأطيعون * ولا تطيعوا أمر المسرفين * الذين يفسدون في الأرض ولا
يصلحون ) ( 13 ) .
لقد هدم عليه السلام عقائدهم وثقافاتهم التي تقوم عليها ، فدعاهم لأن
يتدبروا وأن يتقوا الله ، وأمرهم بطاعته لأن طاعته هي طاعة الله ، ثم نفى عن نفسه
أي طمع دنيوي . والدليل أنه لم يسألهم الأجر كما يسألهم كهان الأوثان الأجر
عندما يفتونهم ، وليس معنى أنه لا يسألهم الأجر أن ما يقوم به لا وزن له ، وإنما له
ثواب وأجر عند الله رب العالمين وهو يطمع في هذا الأجر وهذا الثواب ، وبعد أن
قرع عليه السلام آذانهم بالتوحيد . رد عقولهم إلى الحقيقة التي تعاموا عنها
فقال : ( أتتركون في ما ها هنا آمنين ) ؟ أي أنكم لن تتركوا في أرضكم وما
أحاط بكم في أرضكم هذه . وأنتم مطلقوا العنان لا تسألون عما تفعلون وآمنون
من أي مؤاخذة إلهية ( 14 ) لقد وعظهم وحذرهم نقم الله أن تحل بهم . . وذكرهم
بأنعم الله حيث أنبت الله لهم الجنات وفجر لهم من العيون الجاريات وأخرج لهم
من الزروع والثمرات ( 15 ) لكنهم لم يشكروا النعمة ويضعوها في محلها ، وإنما
اتخذوا تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشرا وبطرا وعبثا من غير حاجة إلى
سكناها . وأنهم كانوا حانقين متقنين لنحتها ونقشها ( 16 ) ولأن ما يفعلوه لا ينفعهم
في الدنيا ولا في الآخرة ، أمرهم أن يقبلوا على الله بطاعته . لأن طاعته من طاعة
الله . وأن لا يطيعوا أمر المسرفين . . فلا يقلدوهم ولا يتبعوهم في أعمالهم
وسلوكهم . وخطابه عليه السلام كان للعامة التابعين للمسرفين ، وكان للمسرفين
الذين يقلدون آباءهم ويطيعون أمرهم ولقد - أمر بعدم طاعتهم لأنهم يفسدون في
الأرض غير مصلحين . والإفساد لا ومن معه العذاب الإلهي والله عزيز ذو
انتقام .
هامش
( 13 ) سورة الشعراء ، الآيات : 141 - 152 .
( 14 ) الميزان .
( 15 ) تفسير البغوي : 232 / 6 .
( 16 ) ابن كثير : 343 / 3 ، البغوي : 233 / 6 .