فلم يلحقوا بالدعوة في عهد النبوة أي ضرر . ولم يستطيعوا النيل من رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم رغم محاولاتهم العديدة لقضاء عليه . لم يستطيعوا هم
أو غيرهم . لأن الله تعالى عصم رسوله منهم قال سبحانه : ( والله يعصمك من
الناس ) ( 257 ) وتحدى سبحانه الناس أن يكيدوا لرسول الله وأن يضروه إن
استطاعوا ولن يستطيعوا فقال جل شأنه : ( قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا
تنظرون ) ( 258 )
لقد كانت عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجة بذاتها على أجهزة
الكيد التي تخدم خطوط الانجراف . فشلهم في كل مرة كان في حقيقة الأمر دعوة
للتوبة والإيمان بالرسالة . ولكن أهل التذبذب والنفاق لم يلتفتوا إلى هذه الحقيقة
وتمادوا في طغيانهم ومكائدهم وسبحوا في التجاه المضاد لحركة الفطرة
والكون . وهذه السباحة وهذا التوغل في الظلام جعلهم غرضا لضربات الكون .
وهذه الضربات كانت أيضا دعوة لهم كي يؤمنوا الإيمان الحق لكنهم لم يصححوا
مسارهم نحو الاتجاه الصحيح يقول تعالى : ( أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام
مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ) ( 259 ) قال المفسرون : اختلف أهل
التأويل في معنى الفتنة التي ذكر الله في هذا الموضع . فقال بعضهم : ذلك
اختبار الله إياهم بالقحط والشدة . وقال آخرون : بالسنة والجوع ( 260 ) ومعنى
الآية : أي ما لهم لا يتفكرون ولا يعتبرون . وهم يرون أنهم يبتلون ويمتحنون كل
عام مرة أو مرتين . فيعصون الله ولا يخرجون من عهدة المحنة الإلهية وهم لا
يتوبون ولا يتذكرون . ولو تفكروا في ذلك انتبهوا لواجب أمرهم . وأيقنوا أن
الاستمرار على هذا الشأن ينتهي بهم إلى تراكم الرجس على الرجس والهلاك
الدائم والخسران المؤبد ( 261 ) .
وطابور النفاق الذي خرج من معسكر الانحراف ليسير بين المسلمين .
هامش
( 257 ) سورة المائدة ، الآية : 67 .
( 258 ) سورة الأعراف ، الآية : 195 .
( 259 ) سورة التوبة ، الآية : 126 .
( 260 ) ابن جرير : 54 / 11 .
( 261 ) الميزان : 410 / 9 .