كذلك نبلو هم بما كانوا يفسقون * وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم
أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون * فلما نسوا ما ذكر وا
به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا
يفسقون * فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) ( 69 ) .
قال المفسرون : " انقسم أهل القرية في أمر الله ثلاث فرق . فرقة ارتكبت
ما نهى الله عنه . وفرقة نهت عن ذلك واعتزلت . وفرقة سكتت فلم تفعل ولم
تنه ، وقالت للفرقة التي نهت واعتزلت : لم تنهون هؤلاء وقد علمتم أنهم قد
هلكوا واستحقوا العقوبة من ذلك . فلا فائدة في نهيكم إياهم . فقالوا . ( معذرة
إلى ربكم ) أي فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لعلهم
بهذا الانكار يتقون " ( 70 ) . وفي قولهم : ( إلى ربكم ) حيث أضافوا الرب إلى
الفريق الذي يلومهم ولم يقولوا : إلى ربنا . . إشارة إلى أن التكليف بالعظة ليس
مختصا بنا بل أنتم أيضا مثلنا يجب عليكم أن تعظوهم . لأن ربكم لمكان ربوبيته
يجب أن يعتذر إليه . ويبذل الجهد في فراغ الذمة من تكاليفه والوظائف التي
أحالها إلى عباده . وأنتم عباد له كما نحن عباده ، فعليكم من التكاليف ما هو علينا
( فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء ) وفيه دلالة على أن
اللائمين كانوا مشاركين للعادين أي للفرقة التي ارتكبت ما نهى الله عنه . في
ظلمهم وفسقهم حيث تركوا عظتهم ولم يهجروهم . وفي الآية دلالة على سنة
إلهية عامة . وهي أن عدم ردع الظالمين عن ظلمهم بمنع وعظة ، مشاركة معهم
في ظلمهم . وأن الأخذ الإلهي الشديد ، كما يترصد الظالمين كذلك يرصد
مشاركيهم في ظلمهم ( 71 ) .
لقد ضرب العذاب الظالم المعتدي والظالم الذي سكت . وفي الحديث
كانوا أثلاثا : ثلث نهوا ، وثلث قالوا : ( لم تعظون ) وثلث أصحاب الخطيئة .
فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم ( 72 ) وقال تعالى للذين عتوا عن أمره :
هامش
( 69 ) سورة الأعراف ، الآيات : 163 - 166 .
( 70 ) ابن كثير : 257 / 2 .
( 71 ) الميزان : 296 / 8 .
( 72 ) رواه ابن عباس وقال ابن كثير إسناده جيد : 259 / 2 .