قال المفسرون : يذكر تعالى أنه أخذ العهود والمواثيق على بني إسرائيل على
السمع والطاعة لله ولرسله ، فنقضوا تلك العهود والمواثيق ، واتبعوا آراءهم
وأهواءهم وقد موها على الشرائع ، فما وافقهم منها قبلوه وما خالفهم ردوه ( 30 )
وعلى هذا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم أساؤوا مواجهته وإجابته وجعلوا
الرسل المبعوثين فيهم فريقين : فريقا كذبوا وفريقا يقتلون ، وقد ظنوا أن لا
يصيبهم سوء أو لا يفتنون بما فعلوا ، فأعمى ذلك الظن والحسبان أبصارهم عن
إبصار الحق ! وأصم ذلك آذانهم من سماع ما ينفعهم من دعوة أنبيائهم !
واليهود قتلوا زكريا ويحيى عليهما السلام . وكان الله قادرا على منعهم من
قتلهما ، كما كان سبحانه قادرا على منع ثمود من عقر الناقة ، ولكن كل شئ
يجري لهدف ومن وراء هذا الهدف حكمة ! فزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام
هم آخر أنبياء الشجرة الإسرائيلية . ومن عدل الله سبحانه أنه جعل سد منافذ
الهدى يأتي على أيدي الظالمين ، ليكون رفضهم للهدى هو عين إقامة الحجة
عليهم بأنهم قد جاءهم من الله هدى . وقتل بني إسرائيل لأنبياء الله ، يدل على أن
القوم اتسعوا في الانحراف والشذوذ ، ومعنى رفضهم للهدى من أجل المحافظة
على الانحراف ، أنهم باختيارهم خرجوا من دائرة التفضيل على العالمين ،
لكونهم شعب غير جدير بالجندية تحت قيادة أنبياء الله . باختصار لم يظلمهم
الله ، فهم الذين قتلوا الأنبياء وهم الذين قفزوا خارج دائرة التفضيل ، ولأن قيادة
البشرية ليست حكرا على أحد ، فقد جاء الله تعالى بالذين يتولون قيادة المسيرة
من بعد شعب بني إسرائيل الذي تفرغ للكيد وا الظلم والفساد . وبني إسرائيل كان
عمدتهم في قتل الأنبياء وتكذيبهم ، أنهم ! يجدون عندهم ما تهوى أنفسهم .
بمعنى أنهم يريدون أن يتبع الحق أهواءهم ! ! وهذا ضد حركة الوجود لقوله
تعالى : ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ) ( 31 )
قال المفسرون : إن الذين يكرهون الحق . إنما يكرهونه لمخالفته هواهم . فهم
يريدون من الحق أن يتبع أهواءهم وهذا مما لا يكون ، إذ لو اتبع الحق أهواءهم .
هامش
( 30 ) ابن كثير 80 / 2 .
( 31 ) سورة المؤمنون ، الآية : 71 .