قوله : ( وكلا فضلنا على العالمين ) فالعالم هو الجماعة من الناس . كعالم
العرب وعالم العجم وعالم الروم . ومعنى تفضيلهم على العالمين ، تقديمهم
بحسب المنزلة على عالمي زمانهم . لما أن الهداية الخاصة الإلهية أخذتهم بلا
واسطة . وأما غيرهم من الناس فإنما تشملهم رحمة الهداية بواسطتهم . ويمكن
أن يكون المراد . تفضيلهم بما أنهم طائفة مهدية بالهداية الفطرية الإلهية من غير
واسطة على جميع العالمين من الناس . سواء عاصروهم أو لم يعاصروهم . فإن
الهداية الإلهية من غير واسطة . نعمة يتقدم بها . تلبس بها على من لم يتلبس .
وقد شملت المذكورين من الأنبياء ومن لحق بهم من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم .
فالمجتمع الحاصل من الأنبياء الملتف حولهم مفضل على غيرهم جميعا بتفضيل
إلهي ( 7 ) .
فالذين حول دائرة النبوة ، مهديون إلى صراط مستقيم وفي أمن إلهي من
خطرات السير وعثرات الطريق . أما الذين يسيرون على طريق يفرقون فيه بين
رسل الله ، فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ، أو يفرقون فيه بين أحكام الله
وشرائعه ، فيؤخذ فيه ببعض ويترك بعض ، أو يركبون الطرق التي لا تضمن سعادة
حياة المجتمع الإنساني ، فهذه الطرق هي الطرق التي لا مرضاة فيها لله سبحانه ،
لأن أصحابها انحرفوا عن دائرة الأنبياء التي هي شريعة الفطرة إلى مهابط الضلال
ومزالق الأهواء . فبني إسرائيل فضلهم الله على العالمين لأنهم الأرضية لأنبياء بني
إسرائيل . فبدون الأنبياء ما ذكر اسم بني إسرائيل . وبني إسرائيل بدون الدين
الحق . لا قيمة لهم ولا وزن . ولذا نرى أنهم عندما طالبوا موسى بأن يجعل لهم
آلهة من دون الله ، ردهم عليه السلام إلى دائرة التفضيل التي لا تستند إلا على
الدين الحق . يقول تعالى : ( وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم
يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم
تجهلون * إن هؤلاء متبر ما هم فيه وبطل ما كانوا يعملون * قال أغير الله أبغيكم
إلها وهو فضلكم على العالمين * وإذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء
العذاب . . . . ) ( 8 ) الآية قال المفسرون : كانت نفوسهم قد تأثرت بالعبادات
هامش
( 7 ) : الميزان : 243 / 7 .
( 8 ) سورة الأعراف ، الآيات : 138 - 141 .