القومية كانت تحتفظ لهم بدين آبائهم بصورة من الصور . وعلى الرغم من أن
الكثرة منهم كانوا يجرون في حياتهم على أصالة الحس ولا يعنون بما وراء
الحس ، إلا أن عصبيتهم القومية كانت تعتني بما وراء الحس اعتناء تشريفيا من
غير أصالة .
وعندما بعث موسى عليه السلام لم يؤمن به إلا القلة إيمانا حقيقيا ، أما
الكثرة فكانوا يؤمنون به إيمانا قوميا عاموده الفقري إنجاز المصالح . وبعد خروج
بني إسرائيل من مصر إلى سيناء ، بوأهم الله المبوأ الطيب الذي يوجد فيه جميع ما
يطلبه الإنسان من مسكن وهواء وماء . فسيناء صحراء جرداء لا شجر فيها ولا سكن
والشمس فيها شديدة ، ولكن يطيب لهم المكان ، ساق الله إليهم الغمام ليظلهم
ويقيهم وهج الشمس ، وأرسل لهم سبحانه الرياح تحمل لهم المن والسلوى ،
وأمر سبحانه موسى أن يضرب بعصاه الحجر ، فلما ضربه انبجست منه اثنتا عشرة
عينا من الماء ، وبالجملة أصبحوا وهم مع رسول الله موسى عليه السلام أحرارا
يملكون أنفسهم ويعملون بكل حرية وكرامة ويعبدون إله الخلق . ولكن شعب
بني إسرائيل لم يشكر النعمة التي أنعمها الله عليه . فلقد كانت الكثرة إلى الكفر
أسبق . والناقضون لعهد الله فيهم أكثر ، فبعد أن ملوا من العيش في سيناء ، طلب
القوم من موسى عليه السلام سعة العيش ، وقالوا له : لن نصبر على طعام واحد ،
فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض . فقال لهم موسى : أتستبدلون الذي هو
أدنى بالذي هو خير ؟ اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم . فقالوا يا موسى إن فيها قوما
جبارين وإنا لن ند خلها حتى يخرجوا منها . فإن يخرجوا منها فإنا داخلون .
قال المفسرون : توقف في المراد ما هو أمصر فرعون أم مصر من الأمصار .
والحق أن المراد مصر من الأمصار ( 3 ) فموسى عليه السلام حينما أراد الانتقال بهم
إلى إحدى المدن وإلى مصر من الأمصار من بلاد الشام امتنعوا عليه ( 4 ) ، وقالوا لا
قدرة لنا على مقاومتهم وقتالهم فلما رغبهم بوعظه ونصائحه ، وببيان آياته التي
أجراها الله على يديه ، وعلموا منه الجد في لزوم دخول تلك البلاد ، وسكنى تلك
الأرض المقدسة ( قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت
هامش
( 3 ) ابن كثير : 102 / 1 .
( 4 ) كتاب الأنباء : ص 322 .