بأن الكافرين منهم ملعونون بلسان أنبيائهم ، وفيه تعريض لهؤلاء الذين كفرهم الله
في هذه الآيات . بأنهم ملعونين بدعوة أنبيائهم أنفسهم . وذلك بسبب عصيانهم
لأنبيائهم واستمرارهم على الاعتداء .
لقد قطع بنو إسرائيل شوطا طويلا في عالم الانحراف . فحرفوا الكلم عن
مواضعه . وكفروا بآيات الله . وقتلوا الأنبياء بغير حق . وقالوا قلوبنا غلف . وبعد
هذا يقولون . إن الله فضلهم على العالمين ! إن الشذوذ الذي دق قوم نوح أوتاده
انتهى آخر الأمر إلى سلة بني إسرائيل ! بمعنى أن الانحراف الذي وضعه قوم
نوح ، ضرب الله أصحابه بالغرق ليكونوا عبرة لمن يأتي بعدهم . . أما الانحراف
نفسه فإن طرحه على الأجيال في كل زمان ، مهمة شيطانية . . فالشيطان يلتقط
الانحراف بعد التجربة الإنسانية الأولى . ثم يزينه بما يستقيم مع جيل آخر . وبعد
انتهاء الجيل يقوم بتعديل الانحراف بعد التجربة الإنسانية الثانية . ليلقيه على
جيل ثالث . وهكذا . فمن كان له عبرة في السلف وتذكر ضربات الطوفان والرياح
والصيحة وغير ذلك . . ابتعد بفطرته النقية عن مصادر الشذوذ الملون والانحراف
المغلف بأغلفة براقة ! أما الذين تربعت عبادة العجول على عقولهم ، فإن في
سلالهم تتجمع جميع الانحرافات ابتداء من قابيل قاتل أخيه وانتهاء بآخر انحراف
وآخر شذوذ . وبنو إسرائيل استحوذوا على جميع الانحرافات ثم قاموا بنشرها
على صفحة العالم للصد عن سبيل الله ، معتمدين في ذلك على أديان اخترقوها
وقاموا بتوجيهها نحو أهدافهم وأيضا على منظمات وجمعيات تحمل لافتات براقة
ظاهرها الرحمة والعدل وباطنها العذاب الأليم . ونحن سنوجز هنا انحرافات
الأوائل التي استقرت في السلال الإسرائيلية بعد أن قام تلاميذ الشيطان بتحويرها
وتهذيبها وتجميلها حتى استقرت في الصورة الأخيرة .
1 - بصمة انحراف قوم نوح :
كما ذكرنا من قبل أن قوم نوح عبدوا الأصنام ، ورفضوا بشرية الرسول ،
وأطاحوا بسنة العدل الاجتماعي فقسموا البشر إلى أقوياء وضعفاء ، فالأقوياء هم
الأشراف . والضعفاء هم الأراذل ، وبنو إسرائيل لم يخرجوا قيد أنملة عن هذا ،
لقد عبدوا العجل واتبعوا الأهواء ، وسنتكلم عن هذا في موضعه ، أما رفضهم
للرسول البشر . . فلقد رفعوا هذه اللافتة في وجه نبي الله الخاتم محمد صلى الله
الانحرافات الكبرى — صفحة 260
مساهمون: سعيد أيوب
ص٢٦٠