وبعد أن قام المؤمن بتشخيص حالة القوم ، قام بوصف المسرف المرتاب
فقال : ( الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند
الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ) ( 66 ( ) قال المفسرون :
وصف لكل مسرف مرتاب ، فإن من تعدى طوره بالإعراض عن الحق واتباع
الهوى ، واستقر في نفسه الارتياب ، فكان لا يستقر على علم ولا يطمئن إلى
حجة تهديه إلى الحق ، جادل في آيات الله بغير برهان إذا خالفت مقتضى هواه ،
وقوله : ( كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ) يفيد أن قلوبهم مطبوع
عليها فلا يفقهون حجة ولا يركنون إلى برهان ( 167 ) ومن كانت هذه صفته لا يعرف
بعد ذلك معروفا ولا ينكر منكرا ( 168 ) .
كان الرد الفرعوني . على هذا العلم الواسع . هو رد المسرف الكذاب
والمسرف المرتاب والمتكبر الجبار ، لقد أشار إلى مجموعة عمله ( وقال فرعون
يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطلع إلى إله
موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد
فرعون إلا في تباب ) ( 169 ) قال المفسرون : أمر منه لوزيره هامان أن يبني له بناء
يتوصل به إلى الاطلاع إلى إله موسى ! ولعله أصدر هذا الأمر أثناء محاجة الذي
آمن ، ولذلك وقع ذكره بين مواعظ الذي آمن واحتجاجاته ، والمعنى : آمرك يا
هامان ببنائه ، لأني أرجو أن أبلغ بالصعود عليه الأسباب ، ثم فسر الأسباب
بقوله : ( أسباب السماوات ) وفرع عليه قوله : ( فأطلع إلى إله موسى ) كأنه
يقول : أن الإله الذي يدعوه ويدعو إليه موسى ليس في الأرض إذ لا إله فيها
غيري . فلعله في السماء ، فابن لي صرحا لعلي أبلغ بالصعود عليه الأسباب
السماوية الكاشفة عن خبايا السماء ، فأطلع من جهتها إلى إله موسى وإني لأظنه
كاذبا . وقيل : إن مراده أن يبني له رصدا يرصد فيه الأوضاع السماوية لعله يعثر
فيها على ما يستدل به على وجود إله موسى . بعد اليأس من الظفر عليه بالوسائل
هامش
( 166 ) سورة غافر ، الآية : 35 .
( 167 ) الميزان .
( 168 ) ابن كثير : 79 / 4 .
( 169 ) سورة غافر ، الآيتان : 36 - 37 .