أدخل المؤمن نفسه فيهم على تقدير مجئ البأس ، ليكون أبلغ في النصح وأوقع
في قلوبهم ، إنه يريد لهم من العافية ما يريده لنفسه ، وكان رد فرعون على ما أشار
به المؤمن : ( ما أريكم إلا ما أرى ) أي ما أقول لكم وأشير عليكم إلا ما أراه
لنفسي ، وأنه على يقين مما يهدي إليه قومه ، وأمام هذا الاستكبار الفرعوني قال
المؤمن : ( يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب * مثل دأب قوم نوح وعاد
وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ) ( 161 ) قال المفسرون : لقد
حذر قومه بأس الله تعالى في الدنيا والآخرة ، وذكرهم بالذين كذبوا رسل الله في
القديم كقوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم من الأمم المكذبة ، كيف حل بهم
بأس الله ، وما رده عنهم راد ولا صده عنهم صاد ، وما أهلكهم الله إلا بذنوبهم
وتكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره ، وما الله يريد ظلما للعباد ( 162 ) .
وبعد أن ذكرهم بالأمم الماضية . ذكرهم بيوسف عليه السلام فقال :
( ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا
هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ) ( 163 )
قال المفسرون : أقسم لقد جاءكم يوسف من قبل بالآيات البينات التي لا
تدع ريبا في رسالته من الله . فما زلتم في شك مما جاءكم به ما دام حيا ، حتى إذا
هلك ومات قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا ، فناقضتم أنفسكم ولم تبالوا ، ثم
أكده بقوله : ( كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ) ( 164 ) وكان الله تعالى قد
بعث في مصر رسولا من قبل موسى وهو يوسف عليه السلام كان عزيز أهل مصر ،
وكان رسولا يدعو إلى الله أمته بالقسط ، فما أطاعوه تلك الطاعة إلا بمجرد الوزارة
والجاه الدنيوي ، وعندما مات قالوا طامعين لن يبعث الله من بعده رسولا ! وذلك
لكفرهم وتكذيبهم ، ومن كان حاله هذا يضله الله لإسرافه في أفعاله وارتياب
قلبه ( 165 ) .
هامش
( 161 ) سورة غافر ، الآيتان . : 30 - 31 .
( 162 ) ابن كثير : 79 / 4 ، الميزان : 330 / 17 .
( 163 ) سورة غافر ، الآية : 34 .
( 164 ) الميزان : 330 / 17 .
( 165 ) ابن كثير : 79 / 4 .