واستكبروا أن تأكل وتشرب في أرض الله ، فجعلهم الله في مماتهم كشجر لا
يصلح إلا للدواب ، ولقد رفعوا رقابهم أمام صالح عليه السلام وتطاولوا على
الذين آمنوا . فجعلهم الله في مماتهم ساقطين على وجوههم وركبهم . ولقد
شيدوا دورهم ومساكنهم داخل الصخور وتطاولوا بها على المستضعفين من الذين
آمنوا ( فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون * فما استطاعوا من قيام وما كانوا
منتصرين * ( 92 ) أي ما تمكنوا من قيام من مجلسهم ليفروا من عذاب الله . وهو
كناية عن أنهم لم يمهلوا حتى بمقدار أن يقوموا من مجلسهم ( 93 ) . لقد أطبق
العذاب على ثمود فلم يقدروا على دفع العذاب عن أنفسهم لا بأنفسهم ولا بناصر
ينصرهم . . لقد حفروا في الصخور كي يتجنبوا الرياح المهلكة التي أطاحت
بعاد . لكن العذاب جاءهم من طريق أسرع من الرياح . لقد حفروا في الصخور
مخافة الموت فجلسوا فيما حفروا ينتظرون الموت . بعد أن تأكدوا من أن الذي
وعدهم به صالح من عذاب آت لا ريب فيه . وأن عليهم أن يدفعوا ثمن خيانتهم
للفطرة ولأنفسهم وللرسول وللمعجزة وللكون كله الذي ساروا فيه في عكس
اتجاهه . لقد جلسوا وتحنطوا وتكفنوا ولم يعد في ثمود من يثق في أي قول يقال له
من العتاة الذين وثنوا الفطرة ومهدوا السبيل لثقافة الانحراف والشذوذ وصدوا عن
سبيل الله ، لم يعد هناك من يثق في قول العتاة وذلك في وقت لن يجدي فيه
الندم ، بعد أن أطاحوا بالتوبة والاستغفار يوم أن دعاهم نبيهم إليها .
كان كل فرد في ثمود لا يثق إلا في كفنه ، ذلك الشر الذي يطرد الشر من
على صفحة هذه الأرض ، وبينما هم في الأكفان جاءتهم الرجفة التي لم يعملوا
لها حساب وفقا لمقاييس فروع الهندسة في عالم العتاة . والرجفة هي الاضطراب
والاهتزاز الشديد كما يحدث في زلزلة الأرض وتلاطم البحر ، وعندما ضربتهم ،
الرجفة أصبحوا في بيوتهم جاثمين ، والجثوم في الإنسان كالبروك في الإبل ، لقد
برك الجبابرة وأتباعهم كل داخل دياره وعلى أبدانهم أكفانهم ليذوقوا عذاب
الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشد . جثوا في بطون الجبال ( وكانوا
ينحتون من الجبال بيوتا آمنين * فأخذتهم الصيحة مصبحين * فما أغنى عنهم ما
هامش
( 92 ) سورة الذاريات ، الآيتان : 44 - 45 .
( 93 ) الميزان : 381 / 10 .