وللبخاري من حديث مروان بن الحكم ، ومستورد بن مخرمة . . . فذكر
حديث وفد هوازن إلى أن قال : فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين ، فأثنى على
الله تعالى بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فإن إخوانكم هؤلاء جاؤونا تائبين ،
وإني [ قد ] رأيت أن أرد إليهم سبيهم ، فمن أحب منكم أن يطيب بذلك
فليفعل ، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفئ
الله علينا فليفعل ، فقال الناس : قد طيبنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن ، فارجعوا حتى يرفعوا
إلينا عرفاؤكم أمركم .
فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه
أنهم قد طيبوا وأذنوا ( 1 ) .
هامش
( 1 ) ( فتح الباري ) : 4 / 609 ، كتاب الوكالة ، باب ( 7 ) إذا وهب شيئا لوكيل أو شفيع قوم جاز
لقول النبي صلى الله عليه وسلم لوفد هوازن حين سألوه المغانم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : نصيبي لكم ، حديث رقم
( 2307 ) ، ( 2308 ) ، وأخرجه في كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها ، باب ( 10 ) من
رأى الهبة الغائبة جائزة ، حديث رقم ( 2583 ) ، ( 2584 ) ، وفي باب ( 24 ) إذا وهب
جماعة لقوم ، حديث رقم ( 2607 ) ( 2608 ) ، وأخرجه في كتاب فرض الخمس ، باب ( 15 )
ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين ما سأل هوازن النبي صلى الله عليه وسلم برضاعه فيهم فتحلل من
المسلمين ، وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعذ الناس أن يعطيهم من الفئ والأنفال من الخمس ، وما أعطى
الأنصار ، وما أعطى جابر بن عبد الله بن من تمر خيبر ، حديث رقم ( 3131 ) ، ( 3132 ) .
وأخرجه في كتاب المغازي ، باب ( 55 ) قول الله تعالى : ( ويوم حنين إذا أعجبتكم
كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ) [ التوبة : 25 ] .
حديث رقم ( 4318 ) ، ( 4319 ) ، وأخرجه في كتاب الأحكام ، باب ( 26 ) العرفاء للناس ،
حديث رقم ( 7176 ) ، ( 7177 ) .
قال الحافظ في ( الفتح ) : قال ابن بطال : في الحديث مشروعية إقامة العرفاء لأن الإمام
لا يمكنه أن يباشر جميع الأمور بنفسه فيحتاج إلى إقامة من يعاونه لكيفية ما يقيمه فيه ، قال :
والأمر والنهي إذا توجه إلى الجميع يقع التوكل فيه من بعضهم فربما وقع التفريط ، فإذا أقام على
كل قوم عريفا لم يسع كل أحد إلا القيام بما أمره به .
وقال ابن المنير في ( الحاشية ) : يستفاد منه جواز الحكم بالاقرار بغير إشهاد ، فإن
العرفاء ما أشهدوا على كل فرد شاهدين بالرضا ، وإنما أقر الناس عندهم وهم نواب للإمام
فاعتبر ذلك . وفيه أن الحاكم يرفع حكمه إلى حاكم آخر مشافهة فينفذه إذا كان كل منهما في محل
ولايته . قال الحافظ في ( الفتح ) : وقع في ( سير الواقدي ) : أن أبارهم الغفاري كان يطوف
على القبائل حتى جمع العرفاء ، واجتمع الأمناء على قول واحد .
وفيه أن الخبر الوارد في ذم العرفاء لا يمنع إقامة العرفاء لأنه محمول - إن ثبت - على
أن الغالب على العرفاء الاستطالة ، ومجاوزة الحد ، وترك الإنصاف المفضي إلى الوقوع في
المعصية .
والحديث المذكور أخرجه أبو داود من طريق المقدام بن معد يكرب رفعه : " العرافة
حق ، ولا بد للناس من عريف ، والعرفاء في النار .
" ولأحمد وصححه ابن خزيمة من طريق عباد بن أبي علي عن أبي حازم عن أبي هريرة
رفعه : ويل للأمراء ، ويل للعرفاء " قال الطيبي : قوله : " والعرفاء في النار " ظاهر أقيم مقام
الضمير يشعر بأن العرافة على خطر ، ومن باشرها غير أمن من الوقوع في المحذور المفضي
إلى العذاب ، فهو كقوله تعالى : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم
نارا ) فينبغي للعاقل أن يكون على حذر منها لئلا يتورط فيما يؤديه إلى النار .
قال الحافظ : ويؤيد هذا التأويل الحديث الآخر حيث توعد الأمراء بما توعد به العرفاء ،
فدل على أن المراد بذلك الإشارة إلى أن كل من يدخل في ذلك لا يسلم ، وأن الكل على خطر ،
والاستثناء مقدر في الجميع .
وأما قوله : " العرافة حق " فالمراد به أصل نصبهم ، فإن المصلحة تقتضيه لما يحتاج
إليه الأمير من المعاونة على ما يتعاطاه بنفسه ، ويكفي في الاستدلال لذلك وجودهم في العهد
النبوي كما دل عليه حديث الباب .
وأخرجه أبو داود في ( السنن ) : 3 / 141 - 142 ، كتاب الجهاد ، باب ( 131 ) فداء
الأسير ، حديث رقم ( 2693 ) .
وأخرجه الإمام أحمد في ( المسند ) : 5 / 428 ، حديث رقم ( 18435 ) من حديث
المسور بن مخرمة .