فصل جامع في ذكر
حديث الإسراء والمعراج
[ فقد ] روى من حديث أنس ، فتارة يرويه أنس عن مالك بن صعصعة ،
عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وتارة يرويه عن أبي [ ذر ] عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وتارة يرويه دون
ذكرهما .
فأما رواية حديث الإسراء عن النبي صلى الله عليه وسلم
فخرج مسلم من حديث حماد بن سلمة ، [ قال ] حدثنا ثابت البناني ،
عن أنس بن مالك رضي الله [ تعالى ] عنه [ قال ] : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
أتيت بالبراق ، وهو دابة أبيض طويل ، فوق الحمار ، ودون البغل ، يضع حافرة
عند منتهى طرفه ، فركبته حتى أتيت بيت المقدس ، [ قال : ] فربطته بالحلقة
التي يربط فيها الأنبياء ثم دخلت المسجد ، فصليت فيه ركعتين ، ثم
خرجت ، فجاءني جبريل عليه السلام ، بإناء من خمر ، وإناء من لبن ،
فاخترت اللبن ، فقال جبريل عليه السلام : اخترت الفطرة ( 1 ) .
هامش
( 1 ) ( البراق ) بضم الباء الموحدة ، قال أهل اللغة : البراق اسم الدابة التي ركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة
الإسراء . قال الزبيدي في ( مختصر العين ) ، وصاحب ( التحرير ) : هي دابة كانت الأنبياء صلوات الله
وسلام عليهم يركبونها . وهذا الذي قالاه من اشتراك جميع الأنبياء فيها ، يحتاج إلى نقل صحيح .
قال ابن دريد : اشتقاق البراق من البرق إن شاء الله تعالى ، يعني لسرعته ، وقيل : سمي بذلك
لشدة صفائه ، وتلألئه ، وبريقه ، وقيل : لكونه أبيض .
وقال القاضي : يحتمل أنه سمي بذلك لكونه ذا لونين ، يقال : شاه برقاء إذا كان في خلال صوفها
الأبيض طاقات سود . قال : ووصف في الحديث بأنه أبيض ، وقد يكون من نوع الشاة البرقاء ، وهي
معدودة في البيض ، والله تعالى أعلم . ( مسلم بشرح النووي ) : 2 / 569 ، كتاب الإيمان ، باب
( 74 ) الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات وفرض الصلوات ، حديث رقم ( 259 ) .
قوله صلى الله عليه وسلم : ( فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي تربط به الأنبياء صلوات الله
عليهم ) أما بيت المقدس ففيه لغتان مشهورتان غاية الشهرة : إحداهما : بفتح الميم وإسكان القاف
وكسر الدال المخفقة ، والثانية : بضم الميم وفتح القاف والدال المشددة .
قال الواحدي : أما من شدده فمعناه المطهر ، وأما من خففه فقال أبو علي الفارسي : لا يخلو إما أن
يكون مصدرا ، أو مكانا ، فإن كان مصدرا كان كقوله تعالى : ( إليه مرجعكم ) ونحوه من المصادر ،
وإن كان مكانا فمعناه بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة ، أو بيت مكان الطهارة وتطهيره : إخلاؤه
من الأصنام ، وإبعاده منها . وقال الزجاج : البيت المقدس المطهر ، وبيت المقدس أي المكان الذي يطهر
فيه من الذنوب . ( المرجع السابق ) .
قوله : صلى الله عليه وسلم : ( فربطته بالحلقة التي يربط فيها الأنبياء ) الحلقة بإسكان اللام على اللغة الفصيحة
المشهورة . وحكى الجوهري وغيره فتح اللام أيضا .
قال الجوهري : حكى يونس عن أبي عمرو بن العلاء حلقة بالفتح ، وجمعها حلق وحلقات . وأما
على لغة الإسكان فجمعها حلق وحلق بفتح الحاء وكسرها ، والمراد حلقة باب مسجد بيت المقدس
والله أعلم . وفي ربط البراق الأخذ بالاحتياط في الأمور وتعاطي الأسباب ، وأن ذلك لا يقدح في
التوكل ، إذ كان الاعتماد على الله تعالى . ( المرجع السابق ) .
قوله : ( اخترت الفطرة ) فسروا الفطرة هنا بالإسلام والاستقامة ، ومعناه والله تعالى أعلم : اخترت
علامة الإسلام ، والاستقامة ، وجعل اللبن علامة لكونه سهلا ، طيبا ، طاهرا ، سائغا للشاربين ، سليم
العاقبة . أما الخمر فإنها أم الخبائث ، وجالبة لأنواع من الشر في الحال والمآل . والله تعالى أعلم .
( المرجع السابق ) .