وخرج مسلم من حديث شعبة عن محارب [ أنه ] سمع جابر بن عبد الله
[ رضي الله عنهما ] يقول : اشترى مني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرا بأوقيتين ودرهم
أو درهمين ، قال : فلما قدم صرارا أمر ببقرة فذبحت ، فأكلوا منها ، فلما قدم
المدينة ، أمرني أن آتي المسجد فأصلي ركعتين ، ووزن ثمن البعير فأرجح
لي ( 1 ) . وفي لفظ له : وقال أمر ببقرة فنحرت ، ثم قسم لحمها ( 2 ) .
وأما كونه صلى الله عليه وسلم لا يطرق أهله ليلا
فخرج البخاري من حديث همام عن إسحاق بن أبي عبد الله بن أبي
طلحة ، عن أنس رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يطرق أهله ليلا ، كان
لا يدخل إلا غدوة أو عشية . وخرجه مسلم بهذا السند ، ولفظه : كان لا
يطرق أهله ليلا ، وكان يأتيهم غدوة أو عشية ( 3 ) .
هامش
( 1 ) ( مسلم بشرح النووي ) : 11 / 38 ، كتاب المساقاة ، باب ( 21 ) بيع البعير واستثناء ركوبه ، حديث
رقم ( 115 ) .
( 2 ) ( المرجع السابق ) : حديث رقم ( 116 ) .
( 3 ) أخرجه البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ( إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرقن أهله ليلا ) .
قال الحافظ في ( الفتح ) : التقييد فيه بطول الغيبة ، يشير إلى أن علة النهي إنما توجد حينئذ ،
فالحكم يدور مع علته وجودا وعد ما ، فلما كان الذي يخرج لحاجة مثلا نهارا ، ويرجع ليلا ، لا يتأتى -
له : يحذر ، مثل الذي يطيل الغيبة ، كأن طول الغيبة مظنة الأمن من الهجوم ، فيقع للذي يهجم بعد
طول الغيبة غالبا ما يكره ، إما أن يجد أهله على غير أهبة من التنظيف والتزين المطلوب من المرأة ،
فيكون ذلك سبب النفرة بينهما .
قال : وإما أن يجدها على حالة غير مرضية ، والشرع محرض على التستر ، وقد أشار إلى ذلك
بقوله : ( أن يتخونهم ويتطلب عثراتهم ) ، فعلى هذا من أعلم أهله بوصوله ، وأنه يقدم في وقت كذا
مثلا ، لا يناوله النهي .
قال الحافظ : وفي الحديث الحث على التواد والتحاب ، خصوصا بين الزوجين ، لأن الشارع راعى
ذلك بين الزوجين ، مع اطلاع كل منهما على ما جرت العادة بستره ، حتى إن كل واحد منهما لا
يخفى عنه من عيوب الآخر شئ في الغالب ، ومع ذلك فقد نهى عن الطروق لئلا يطلع على ما تنفر
نفسه عنه .
قال : ويؤخذ منه أن الاستحداد ونحوه مما تتزين به المرأة ليس داخلا في النهي عن تغيير الخلقة ،
وفيه التحريض على ترك التعرض لما يوجب سوء الظن بالمسلم . ( فتح الباري ) .
وفي رواية أخرى : ( نهى أن يطرق أهله ليلا ) ، وزاد في رواية : ( لئلا يتخونهم أو يطلب عثراتهم ) .
وفي رواية : قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا جئت من سفر فلا تدخل على أهلك حتى تستحد
المغيبة ، وتمتشط الشعثة ، وعليك بالكيس ) هذه روايات البخاري ومسلم .
وفي رواية أبي داود قال : ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فلما ذهبنا لندخل ، قال : أمهلوا حتى
لا تدخل ليلا ، لكي تمتشط الشعثة ، وتستحد المغيبة ) .
وفي رواية له : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال : ( إن أحسن ما دخل الرجل على أهله إذا قدم من سفر : أول
الليل ) .
وفي أخرى له ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره أن يأتي الرجل أهله طروقا ) .
وفي رواية الترمذي : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاهم أن يطرقوا النساء ليلا ) . وفي أخرى له أنه قال : ( لا
تلجوا على المغيبات ، فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم ، قلنا : ومنك ؟ قال : ومني ، ولكن
الله أعانني عليه فأسلم ) .
قال سفيان بن عيينة : معنى ( أسلم ) أي فأسلم أنا منه فإن الشيطان لا يسلم . قال : و ( المغيبات )
جمع مغيبة ، وهي التي زوجها غائب .
يراجع في ذلك : البخاري في النكاح ، باب لا يطرق أهله ليلا إذا أطال الغيبة ، مخافة أن يخونهم
أو يلتمس عثراتهم ، وفي الحج باب لا يطرق أهله إذا بلغ المدينة .
ومسلم في الإمارة ، باب كراهة الطروق وهو الدخول ليلا . وأبو داود في الجهاد ، باب في الطروق
والترمذي في الرضاع والاستئذان ، باب ما جاء في كراهية طروق الرجل أهله ليلا .
وفي رواية ذكرها رزين قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قفل من غزاة أو سفر فوصل عشية ، لم
يدخل حتى يصبح فإن وصل قبل أن يصبح ، لم يدخل إلا وقت الغداة ، ويقول ، أمهلوا ، كي تمتشط
التفلة الشعثة ، وتستحد المغيبة ) .
شرح الغريب :
( يطرقوا ) الطروق : أن يأتي الرجل المكان الذي يريده ليلا .
( يتخونهم ) التخون : طلب الخيانة والتهمة .
( تستحد ) الاستحداد : حلق العانة ، وهو استفعال من الحديد ، كأنه استعمل الحديد ، على طريق
الكناية أو التورية .
( المغيبة ) : التي غاب عنها زوجها .
( الشعثة ) : البعيدة العهد بالغسل ، وتسريح الشعر ، والنظافة .
( الكيس ) : الجماع ، والكيس : العقل ، فيكون قد جعل طلب الولد من الجماع عقلا .
( التفلة ) ، امرأة تفلة : إذا كانت غير متطيبة ، ( جامع الأصول ) : 5 / 28 - 31 .