وله من حديث عروة والقاسم ( يخبران ) ( 1 ) ، عن عائشة رضي الله عنها ،
( قالت : طيبت رسول بيدي بذريرة في حجة الوداع للحل والإحرام . ) .
ذكره في ( كتاب ) اللباس ، وترجم عليه باب : الذريرة ( 2 ) . وخرجه مسلم
في الحج ( 3 ) ، وأخرجا ( 4 ) من حديث شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن
هامش
( 1 ) زيادة للسياق من البخاري .
( 2 ) ( فتح الباري ) : 10 / 454 ، كتاب اللباس ، باب ( 81 ) ، الذريرة ، حديث رقم ( 5930 ) .
والذريرة ، بمعجمة وراءين بوزن عظيمة : هي نوع من الطيب مركب ، قال الداودي : تجمع مفرداته ثم
تسحق وتنخل ، ثم تذر في الشعر والطوق ، فلذلك سميت ذريرة ، كذا قال ، وعلى هذا فكل طيب
مركب ذريرة ، لكن الذريرة نوع من الطيب مخصوص ، يعرفه أهل الحجاز وغيرهم ، وجزم غير واحد
- منهم النووي - بأنه فتات قصب طيب يجاء به من الهند .
( 3 ) ( مسلم بشرح النووي ) : 8 / 349 ، كتاب الحج ، باب ( 7 ) الطيب للمحرم عند الإحرام ، حديث
رقم ( 35 ) ، وفيه دلالة على استحباب الطيب عند إرادة الإحرام ، وأنه لا بأس باستدامته بعد الإحرام
وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام ، وهذا مذهبنا ، وبه قال خلائق من الصحابة التابعين ، وجماهير المحدثين
والفقهاء ، ومنهم : سعد بن أبي وقاص ، وابن عباس ، وابن الزبير ، ومعاوية ، وعائشة ، وأم حبيبة ، وأبو
حنيفة ، والثوري ، وأبو يوسف ، وأحمد ، وداود ، وغيرهم .
وقال آخرون بمنعه ، منهم الزهري ، ومالك ، ومحمد بن الحسن ، وحكى أيضا عن جماعة من
الصحابة والتابعين . قال القاضي : وتأول هؤلاء حديث عائشة هذا على أنه صلى الله عليه وسلم تطيب ثم اغتسل
بعده ، فذهب الطيب قبل الإحرام .
ويؤيد هذا قولها في الرواية الأخرى : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه ثم طاف على نسائه ، ثم
أصبح محرما ، فظاهره أنه تطيب لمباشرة نسائه ، ثم زال بالغسل بعده ، لا سيما وقد نقل أنه كان
يتطهر من كل واحدة قبل الأخرى ، ولا يبقى مع ذلك ، ويكون قولها : ثم أصبح ينضخ طيبا أي قبل
غسله .
وقد سبق في رواية لمسلم ( وللبخاري أيضا ) أن ذلك الطيب كان ذريرة ، وهي مما يذهبه الغسل .
( مسلم بشرح النووي ) : 8 / 348 - 349 .
( 4 ) ( فتح الباري ) : 3 / 505 ، كتاب الحج ، باب ( 18 ) الطيب عند الإحرام وما يلبس إذا أراد أن
يحرم ، ويترجل ويدهن ، حديث رقم ( 1537 ) ، ( 1538 ) ، قوله : " كأني أنظر " ، أرادت بذلك قوة
تحققها لذلك ، بحيث أنها لشدة استحضارها له كأنها ناظرة إليه .
قوله : " في مفارق " ، جمع مفرق ، وهو المكان الذي يفترق فيه الشعر في وسط الرأس ، قيل : ذكرته
بصيغة الجمع تعميما لجوانب الرأس التي يفرق فيها الشعر .
وأخرجه مسلم في كتاب الحج ، باب ( 7 ) الطيب للمحرم عند الإحرام ، حديث رقم ( 40 ) :
" لكأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يهل " ، وحديث رقم ( 41 ) : " كأني
أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلبي ، وحديث رقم ( 42 ) : " كأنما أنظر إلى
وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم ، وحديث رقم ( 43 ) : إن كنت لأنظر إلى وبيص
الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم ، حديث ( 45 ) : " كأني أنظر إلى وبيص المسك في
مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم ، قال الإمام النووي : وقولها : " كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم " ، المراد به أثره لا جرمه ، هذا كلام القاضي ، ولا يوافق عليه ، بل الصواب ما
قاله الجمهور : أن الطيب مستحب للإحرام ، لقولها : طيبته لحرمه ، وهذا ظاهر في أن الطيب للإحرام لا
للنساء ، ويعضده قولها : كأني أنظر إلى وبيص الطيب ، والتأويل الذي قاله القاضي غير مقبول لمخالفته
الظاهر بلا دليل يحملنا عليه .
وأما قولها : " ولحله قبل أن يطوف " ، فالمراد به طواف الإفاضة ، ففيه دلالة لاستباحة الطيب بعد
رمي حجرة العقبة والحلق ، وقبل الطواف ، وهذا مذهب الشافعي والحلماء كافة ، إلا مالكا كرهه قبل
طواف الإفاضة ، وهو محجوج بهذا الحديث .
وقولها : " لحله " ، دليل على أنه حصل له تحلل ، وفي الحج تحللان يحصلان بثلاثة أشياء : رمي
جمرة العقبة ، والحلق ، وطواف الإفاضة مع سعيه إن لم يكن سعى عقب طواف القدوم ، فإذا فعل
الثلاثة حصل التحللان ، وإذا فعل اثنين منهما حصل التحلل الأول ، أي اثنين كانا ، ويحل بالتحلل
الأول جميع المحرمات إلا الاستمتاع بالنساء ، فإنه لا يحل إلا بالثاني ، وقيل : يباح منهن غير الجماع
بالتحلل الأول ، وهو قول بعض أصحابنا ، وللشافعي قول أنه لا يحل بالأول إلا اللبس ، والحلق ، وقلم
الأظفار ، والصواب ما سبق ، والله تعالى أعلم . ( مسلم بشرح النووي ) : 8 / 349 - 351 .