أبيك ( 1 ) ؟ فقالت : كيف أصنع ؟ قالت : استعيذي بالله منه ، فاستعاذت
فطلقها ، وقتل أبوها ( 1 ) يوم فتح مكة ، وقيل : هذه الكندية هي عمرة ،
وقيل : دخل بمليكة الكنانية فماتت عنده ، وأنكر الزهري وغيره أن يكون
رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج كنانية قط ( 2 ) .
" أم هانئ "
وذكر ابن الكلبي : وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أم هانئ بنت أبي طالب
فقالت : ولقد كنت أحبك في الجاهلية ، فكيف في الإسلام ؟ ولكني
امرأة ذات أولاد صغار وأنا أخاف أن يؤذوك ، فأمسك عنها وقال : خير
نساء ركبن المطايا نساء قريش : أحناهن على ولد في صغر ، وأرعاهن على
زوج في ذات يد ( 3 ) .
هامش
( 1 ) قتله خالد بن الوليد بالخندق ( طبقات ابن سعد ) : 8 / 148 .
( 2 ) قال ابن سعد : قال محمد بن عمر : مما يضعف هذا الحديث ذكر عائشة أنها قالت لها : ألا
تستحيين . . . إلخ ، وعائشة لم تكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك السفر . ( طبقات ابن سعد ) :
8 / 148 ، ( تاريخ الإسلام ) : 2 / 596 .
قال القسطلاني : الخامسة " من الزوجات " : مليكة بنت كعب الليثية ، قال بعضهم : هي التي
استعاذت من النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : دخل بها ، وماتت عنده ، والأول أصح ، ومنهم من ينكر تزويجه
بها أصلا . ( المواهب اللدنية ) : 2 / 96 ، في رواية الواقدي : فطلقها ، فجاء قومها فقالوا : يا رسول
الله ! إنها صغيرة ، ولا رأي لها ، وإنها خدعت فارتجعها ، فأبى عليهم ، فاستأذنوه أن يزوجوها ،
فأذن لهم . ( تاريخ الإسلام ) : 2 / 596 .
( 3 ) هي أم هانئ فاختة بنت أبي طالب ، أخت علي ، خطبها صلى الله عليه وسلم فقالت : إني امرأة مصبية ، واعتذرت
إليه ، فعذرها . ( المواهب اللدنية ) : 2 / 99 . وقال الحافظ الذهبي : وقد خطب صلى الله عليه وسلم أم هانئ بنت
أبي طالب : وضباعة بنت عامر ، وصفية بنت بشامة ، ولم يقض له صلى الله عليه وسلم أن يتزوج بهن ، والله تعالى
أعلم . ( تاريخ الإسلام ) ، 2 / 599 .
وهذا الحديث رواه البخاري في النكاح ، باب إلى من ينكح وأي النساء خير ، وفي النفقات ،
باب حفظ المرأة زوجها في ذات يده والنفقة ، ورواه مسلم في فضائل الصحابة ، باب من فضائل نساء
قريش ، ولفظه عن أبي هريرة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : نساء قريش خير نساء ركبن
الإبل ، أحناه على طفل في صغره ، وأرعاه على زوج في ذات يده . ويقول أبو هريرة على إثر ذلك :
ولم تركب مريم بنت عمران بعيرا قط . ولو علمت أنها ركبت بعيرا ما فضلت عليها أحدا .
وفي رواية : أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب أم هاني بنت أبي طالب ، فقالت : يا رسول الله ! إني قد كبرت ولي
عيال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير نساء ركبن الإبل ، وفي رواية : خير نساء ركبن الإبل صالح نساء
قريش . . ( جامع الأصول ) : 9 / 210 - 211 .
قول أبي هريرة : ولم تركب مريم بنت عمران بعيرا قط ، فكأنه أراد إخراج مريم من هذا التفضيل ،
لأنها لم تركب بعيرا قط ، فلا يكون فيه تفضيل نساء قريش عليها ، ولا يشك لمريم فضلا ، وأنها
أفضل من جميع نساء قريش ، إن ثبت أنها نبية ، أو من أكثرهن إن لم تكن نبية .
ويحتمل أن لا يحتاج في إخراج مريم من هذا التفضيل إلى الاستنباط من قوله : ركبن الإبل ، لأن
تفضيل الجملة لا يستلزم ثبوت كل فرد منها ، لأن قوله : ركبن الإبل ، إشارة إلى العرب لأنهم الذين
يكثر منهم ركوب الإبل ، وقد عرف أن العرب خير من غيرهم مطلقا في الجملة فيستفاد منه
تفضيلهن مطلقا على نساء غيرهن مطلقا .
ويمكن أن يقال أيضا : إن الظاهر أن الحديث سيق في معرض الترغيب في نكاح القرشيات ،
فليس فيه التعرض لمريم ولا لغيرها ممن انقضى زمنهن .
قوله : صالح نساء قريش ، كذا للأكثر بالافراد ، وفي رواية غير الكشمهيني : صلح ، بضم أوله
وتشديد اللام بصيغة الجمع ، فالمحكوم له بالخيرية الصالحات من نساء قريش ، لا على العموم ، والمراد
بالصلاح هنا صلاح الدين ، وحسن المخالطة مع الزوج ونحو ذلك .
قوله : أحناه ، بسكون المهملة بعدها نون : أكثره شفقة ، والحانية على ولدها هي التي تقوم
عليهم في حال يتمهم ، فلا تتزوج ، فإن تزوجت فليست بحانية . قاله الهروي . وجاء الضمير
مذكرا ، وكان القياس أحناهن ، وكأنه ذكر باعتبار اللفظ والجنس أو الشخص أو الإنسان . وجاء نحو
ذلك في حديث أنس : كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها وأحسنه خلقا ، بالافراد في الثاني .
وحديث ابن عباس في قول أبي سفيان : عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة ، بالافراد في الثاني
أيضا . قال أبو حاتم السجستاني : لا يكادون يتكلمون به إلا مفردا .
قوله : على ولده ، في رواية الكشمهيني : على ولد ، بلا ضمير وهو أوجه ، ووقع في رواية
لمسلم : على يتيم ، وفي أخرى : على طفل ، والتقييد باليتيم والصغر يحتمل أن يكون معتبرا من
ذكر بعض أفراد العموم ، لأن صفة الحنو على الولد ثابتة لها لكن ذكرت الحالتان لكونهما أظهر في
ذلك .
قوله : وأرعاه على زوج ، أي أحفظ وأصون لما لها بالأمانة فيه والصيانة له ، وترك التبذير في
الانفاق .
قوله : في ذات يده ، أي في ماله المضاف إليه ، ومنه قولهم : فلان قليل ذات اليد أي قليل المال ،
وفي الحديث الحث على نكاح الأشراف خصوصا القرشيات ، ومقتضاه أنه كلما كان نسبها أعلى
تأكد الاستحباب .
ويؤخذ منه اعتبار الكفاءة في النسب ، وأن غير القرشيات ليس كفأ له ، وفضل الحنو والشفقة
وحسن التربية والقيام على الأولاد وحفظ مال الزوج وحسن التدبير فيه .
ويؤخذ منه مشروعية إنفاق الزوج على زوجته . ( فتح الباري ) : 9 / 155 - 156 كتاب النكاح ،
باب ( 12 ) إلى من ينكح ، وأي النساء خير ، وما يستحب أن يتخير لنطفه من غير إيجاب ،
حديث رقم ( 5082 ) ، ( جامع الأصول ) : 9 / 309 ، الباب السادس من كتاب الفضائل والمناقب ،
الفصل الأول في فضل قريش حديث رقم ( 6790 ) .